بين الإهمال والموت البطيء.. سياسة طبية إسرائيلية لكسر الأسرى الفلسطينيين

بين جدران سجون الاحتلال الإسرائيلية، تتحول الزنازين إلى مساحات بطيئة للموت؛ حيث لا يُترك الألم صدفة، بل يُدار كسياسة، ويُمنع العلاج كعقوبة، ويُوظَّف الإهمال الطبي أداةً لكسر الجسد والروح معًا.

هناك، يُقيد الأسرى الفلسطينيون بقيود المرض والحرمان، فيما يتقاسم الطبيب والسجّان دوراً واحداً في إدارة المعاناة، وسط غيابٍ متعمد للرعاية الصحية، وانتظارٍ مفتوح لدواء لا يصل.

ويعاني نحو 5000 أسير فلسطيني في سجون الاحتلال من أمراض متعددة، نتيجة سياسة الإهمال الطبي المتعمد، وإجراء عمليات جراحية دون تخدير، إلى جانب التعذيب الممنهج، وظروف الاحتجاز اللاإنسانية المخالفة للقانون الدولي، وفق ما أظهرته معطيات هيئة شؤون الأسرى والمحررين.

وتصاعدت حدة الانتهاكات الإسرائيلية بحق الأسرى، ولا سيما المرضى والجرحى، بعد حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة؛ لتنتقل الحرب من خارج السجون إلى داخلها، حيث تتخذ أشكالاً أكثر قسوةً وفتكاً.

ولا يقتصر عدد الأسرى المرضى على المعلن، إذ يُعتقد أن غياب الأعراض لا يعني السلامة، وأن كل أسير، مهما بدا معافى، ليس بمنأى عن الإصابة بالأمراض في ظل بيئة الاعتقال القائمة.

وقد أدت سياسة الإهمال المتعمدة لرفع قائمة الأسرى والمعتقلين الذين استشهدوا داخل سجون الاحتلال منذ عام 1967 إلى 323 شهيداً ممّن عُرفت أسماؤهم وهوياتهم فقط، من بينهم 86 أسيراً ارتقوا خلال حرب الإبادة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهم ممن كُشفت أسماؤهم رسمياً.

فيما تشير التقديرات إلى أن الأعداد الحقيقية قد تكون أكبر، إذ يُرجَّح أن عدد شهداء الحركة الأسيرة خلال الحرب تجاوز 100 شهيد، ما يجعل هذه المرحلة تُوصَف بالأكثر دموية وخطورة في تاريخ الحركة الأسيرة.

“اشرب ماء”.. شهادة من داخل الألم

يروي الأسير المحرر رامي أبو زبيدة تفاصيل رحلة قاسية من العذاب والإهمال الطبي المتعمد، امتدت عاماً كاملاً داخل سجون الاحتلال، منذ اعتقاله في آذار/ مارس 2024.

ويقول أبو زبيدة إن الأمراض التي أصيب بها لم تكن عارضة، بل نتاجاً مباشراً لظروف الاعتقال، مشيراً إلى حالته الصحية حيث تعرض لتورم شديد تطور إلى جروح غائرة وصلت إلى العظام، رافقها ارتفاع حاد في درجات الحرارة، نتيجة الأصفاد الحديدية التي قُيّد بها معصمه أربعة أشهر متواصلة.

ويتابع حديثة  أن إدارة السجون لم تسمح له بتلقي أي رعاية طبية حقيقية إلا بعد أن وصلت حالته إلى حد البتر، لافتاً إلى أن ما قُدم له اقتصر على مراهم سطحية، واستبدال الأصفاد الحديدية بأخرى بلاستيكية، مع تقييد القدمين كذلك.

ويضيف: “في مرحلة تغيير الضمادات تبدأ رحلة عذاب جديدة، حيث يتعرض الأسرى للضرب بالهراوات والسحب القسري حتى الوصول إلى غرفة الغيار”.

ويشدد أبو زبيدة على أن التدخل الطبي كان شبه منعدم، إذ لا تسمح إدارة السجون بتقديم العلاج، موضحاً أن الرد الوحيد الذي كان يسمعه المرضى باستهزاء: “اشرب ماء”.

ويرى أن الاحتلال يتعمد استخدام الإهمال الطبي والقيود الحديدية كأدوات عقاب واستفزاز بحق الأسرى المرضى والجرحى، لا سيما أسرى غزة، الذين ينظر إليهم كـ”مقاتلين غير شرعيين”.

واقع يناقض القانون الدولي

تتناقض هذه الممارسات بشكل صارخ مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تُلزم الدول الحاجزة، بغض النظر عن طبيعة النزاع، بتوفير الحماية الصحية للمعتقلين، إلا أن سلطات الاحتلال لا تكتفي بالتنصل من هذه الالتزامات، بل تتعمد الإضرار بصحة وحياة الأسرى.

ويؤكد المختص بشؤون الأسرى عبد الناصر فروانة أن سلطات الاحتلال “أجازت لنفسها مخالفة اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة، وانتهاك سائر المواثيق الدولية”، مشدداً على أنها صادرت حق الأسرى في العلاج والرعاية الطبية طوال فترة احتجازهم.

ويشير فروانة، في حديثه لة، إلى أن إدارة السجون لا تُجري فحوصات طبية شاملة أو دورية، خلافاً للمادة (31) من اتفاقية جنيف الثالثة، والمادة (92) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وكذلك القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة.

ويحذر من أن “إسرائيل” لم تكتفِ بذلك، بل مارست أشكالاً متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي والجنسي، حيث خرج عشرات الأسرى بعد انتهاء محكومياتهم وهم يحملون أمراضاً مزمنة وخطيرة اكتسبوها داخل السجون.

ويعزو فروانة انتشار الأمراض إلى احتجاز الأسرى في مبانٍ قديمة ومحكمة الإغلاق وغير صالحة صحياً، في مخالفة صريحة لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا، خاصة القاعدة (13)، وللمادة (85) من اتفاقية جنيف الرابعة.

ويحذر من أنّ قرابة نصف الأسرى محتجزون في سجون تقع في صحراء النقب، قرب بيئة ملوثة ومحيط مفاعل ديمونا ومناطق دفن نفاياته، مثل سجون: النقب، نفحة، ريمون، وبئر السبع.

العيادات عبارة عن غرف تحقيق

ويؤكد فروانة أن تدني مستوى الرعاية الصحية وافتقار السجون للعيادات المتخصصة والأدوية اللازمة، يشكل أحد أبرز أسباب الوفاة داخل السجون، إضافة إلى غياب الأطباء المتخصصين والمعالجين النفسيين، في مخالفة للمادة (30) من اتفاقية جنيف الثالثة، والمادة (91) من اتفاقية جنيف الرابعة.

وفي كثير من الأحيان، تتحول العيادات إلى أماكن للتحقيق والضغط والابتزاز، حيث يتجرد الطاقم الطبي من أخلاقيات المهنة، ويتحول الطبيب إلى محقق، ما يشكل خرقاً لإعلان طوكيو 1975 الذي يحظر على الأطباء المشاركة أو الصمت عن التعذيب.

وتنتشر الأخطاء الطبية داخل السجون، بسبب اعتماد سلطات الاحتلال على أطباء حديثي التخرج، بعضهم غير حاصل على ترخيص قانوني، إلى جانب سياسة المماطلة المتعمدة في تقديم العلاج وإجراء العمليات في وقتها.

ويحذر فروانة من أن هذه السياسة تؤدي إلى تفاقم الأمراض البسيطة وتحولها إلى حالات مزمنة وخطيرة، غالباً ما تفضي إلى استشهاد الأسير داخل السجن أو بعد الإفراج عنه بفترة وجيزة.

تجارب طبية وحقن بالفيروسات

وعلى صعيد آخر، يسود اعتقاد باستخدام أجساد الأسرى لإجراء تجارب طبية، وهو ما عززته تصريحات لعضو الكنيست ورئيسة لجنة العلوم البرلمانية عام 1997، التي كشفت عن إجراء ألف تجربة طبية سنوياً على الأسرى بشكل سري.

وأقرت وزارة الصحة الإسرائيلية بزيادة التصاريح الممنوحة لشركات الأدوية لإجراء تجارب على الأسرى بنسبة 15% سنوياً.

ويشير فروانة إلى اتهامات بحقن أسرى فلسطينيين بفيروسات مسرطنة، وهو ما ورد في تقرير لصحيفة روسية عام 2013، ورغم النفي الإسرائيلي، يبقى السؤال قائماً في ظل وفاة عدد من الأسرى بعد الإفراج عنهم بوقت قصير.

ويؤكد في ختام حديثه على أن الأوضاع الصحية داخل السجون تدهورت بشكل مخيف وخطير منذ السابع من أكتوبر، ما انعكس بوضوح على أعداد الشهداء، وحالة الأسرى المفرج عنهم.

disqus comments here