أي عالم نترك لأبنائنا؟

لا أدرى ماذا سنقول لأطفالنا بعد سنوات حين يسألون: أين كنتم عندما جاع أطفال غزة علنًا؟ هل سنجيب بأن القواعد كانت واضحة لكن التطبيق تعثر، وأن مصالح الكبار كانت أولى من بطون الصغار.
هذا السؤال ليس بلاغة فى ساعة قهر عمرها سبعة عقود؛ إنه مرآة لنظام قانونى يزعم حماية المدنيين بينما يسمح للتجويع أن يصبح أداة حرب.
وسؤالى هو إذا كان القانون الدولى ميزانًا، فلماذا يختل عند شعوب بعينها لماذا تُفعّل آليات الردع والمساءلة بسرعة فى حالات، بينما تُترك حالات أخرى تحت طاولة الحسابات حيث يُعطل الفيتو قرارات ملزمة، وحين تُرهن الإغاثة بقبول الذلة والمهانة، يصبح النص وعدًا مؤجلًا، وتصبح الحياة هامشًا قابلًا للمساومة.
هكذا تتسع الفجوة بين الشعار والواقع، بين العهد والنتيجة لكن السؤال الأعمق: ما الذى يلزم لإعادة المعني؟ أولًا، الاعتراف بأن المعايير المزدوجة ليست اختلاف تأويل، بل خلل بنيوى يقوّض شرعية المنظومة ويشجع على الجرائم المكررة.
ثانيًا، ترسيخ قاعدة اتساق التطبيق: جريمة واحدة، إجراءات واحدة، دون استثناءات مبنية على تحالفات ومصالح دولية.
ثالثًا، حماية الوصول الإنسانى كحق غير قابل للتعطيل، بإشراف مستقل وتتبّع شفاف لمسارات المساعدات.
رابعًا، تفعيل مساءلة زمن النزاع، لا بعده، لأن العدالة المؤجلة لا تمنع الجريمة، بل تُوثقها، فقد يقول قائل إن الواقع معقد، وإن المصالح تتشابك، وإن الضغوط تقيّد الأيدي.
والجواب ببساطة، أى نظام قانونى يفقد مبرره إذا أخفق فى أبسط اختباراته: إنقاذ طفل من الجوع، إن السماح بتجويع مليونى إنسان من دون عواقب وبدون مساءلة، يقيم سابقة خطيرة تُغرى منتهكين آخرين بتجريب حدود الإفلات من العقاب، كما تزرع عدم الاستقرار عبر الإقليم والعالم.
فما الجواب الذى نستحقه أمام التاريخ؟ أن نحمى القواعد لا السمعة، وأن نجعل حياة المدنيين معيار النجاح، وأن نربط الدعم السياسى والعسكرى باحترام صارم للقانون الإنساني، وأن نقطع طريق التذرّع بالفيتو لضمان الإغاثة.
إذا لم ننقذ الأرواح الآن، فما جدوى قانون يزعم حماية البشر. سنُسأل غدًا: هل كنتم تعرفون؟ نعم كنا نعرف لكن هل استطعتم الفعل؟ نعم نستطيع إذا اخترنا الاتساق وقدمنا القاعدة القانونية على المصلحة الآنية.
يبدأ ذلك باعتراف صريح بأن الصمت هو تواطؤ مفضوح وبخطوات عملية من خلال فتح الممرات فورًا، وتحييد الإغاثة عن التفاوض، ودعم التحقيقات المستقلة، وتعليق أى تعاون يمكّن الانتهاكات.
عندها فقط يصبح للسؤال جواب مشرف، وتصبح للقانون هيبة تعنى حياةً محفوظة لا شعارات معلقة وإلا فالتاريخ سيكتب أننا رأينا وسكتنا، فخسرنا الإنسانية والشرعية كلها دفعة واحدة الآن

disqus comments here