" الشباب طاقة التغيير وصناع المستقبل "
Mon 24 August 2026
"إذا كان الحاضر يُكتب بجهود الرجال والنساء، فإن المستقبل يولد في عقول الشباب." هذه الحقيقة ليست مجرد عبارة تُردد في المناسبات، بل هي قاعدة أثبتها التاريخ في كل محطات النهوض والتحرر. فالشباب هم نبض الشعوب، وروحها المتجددة، والقوة التي تدفع عجلة التغيير إلى الأمام. وحين تمتلك الأمم شبابًا واعيًا، متعلمًا، ومؤمنًا بقضيته ووطنه، فإنها تمتلك أعظم ثروة يمكن أن تراهن عليها. الشباب ليسوا مستقبل الأوطان فحسب، بل حاضرها الحقيقي، وشركاؤها في صنع القرار وبناء التنمية وصياغة الغد.
لقد أدرك العالم أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الثروات المادية وحدها، وإنما في الإنسان، وبشكل خاص في فئة الشباب التي تمتلك القدرة على الإبداع والابتكار والتطوير. فهذه الفئة هي الأكثر قدرة على مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية، والأسرع في التكيف مع المتغيرات، والأكثر استعدادًا لتقديم الأفكار الجديدة والحلول الخلاقة. لذلك فإن المجتمعات التي تمنح شبابها الثقة، وتوفر لهم التعليم الجيد، وفرص العمل، وحرية المبادرة، هي المجتمعات القادرة على تحقيق التقدم والازدهار.
إن الشباب ليسوا مجرد أرقام في الإحصاءات السكانية، بل هم طاقة هائلة إذا أُحسن استثمارها أصبحت مصدرًا للقوة، وإذا أُهملت تحولت إلى خسارة وطنية. ومن هنا، فإن مسؤولية تمكين الشباب لا تقع على الحكومات وحدها، بل تشمل الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والأحزاب الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، لأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان.
وعلى امتداد التاريخ، كان الشباب في مقدمة الثورات وحركات التحرر والإصلاح. فهم الذين حملوا رايات التغيير، ودافعوا عن الحرية والعدالة، وأسهموا في بناء الحضارات وصناعة الإنجازات العلمية والثقافية. ولم تكن أعظم التحولات التي شهدها العالم بعيدة عن عقول شابة امتلكت الجرأة على الحلم، والإصرار على تحويل ذلك الحلم إلى واقع.
أما الشباب الفلسطيني، فهم الصورة الأصدق لمعنى الإرادة والصمود. فمنذ عقود، يعيشون تحت وطأة الاحتلال والاستيطان والحصار والتهجير، لكنهم لم يسمحوا لكل ذلك أن يسلبهم حقهم في الحياة أو يطفئ جذوة الأمل في قلوبهم. لقد حملوا العلم إلى جانب تمسكهم بحقهم الوطني، وآمنوا بأن المعرفة شكل من أشكال المقاومة، وأن الثقافة والوعي سلاحان لا يقلان أهمية عن أي وسيلة للدفاع عن الحقوق.
في الجامعات، وفي ميادين العمل، وفي المخيمات، وفي المدن والقرى، وفي القدس وغزة والضفة الغربية، يواصل الشباب الفلسطيني كتابة صفحات مشرقة من الصمود. فمنهم الطبيب الذي ينقذ الأرواح رغم قلة الإمكانات، والمعلم الذي يزرع الوعي في عقول الأجيال، والمهندس الذي يساهم في إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، والصحفي الذي ينقل الحقيقة إلى العالم، والمتطوع الذي يمد يد العون لأبناء شعبه، والطالب الذي يصر على مواصلة تعليمه رغم الحواجز والاعتقالات والظروف القاسية. إنهم يؤكدون كل يوم أن الشعب الذي يمتلك هذا الجيل، يمتلك القدرة على الاستمرار والانتصار.
ولم يقتصر دور الشباب الفلسطيني على الصمود داخل الوطن، بل حملوا رواية فلسطين إلى العالم، ودافعوا عن عدالة قضيتهم في الجامعات والمحافل الدولية ووسائل الإعلام، ليواجهوا حملات التزييف والتضليل بالحقيقة والمعرفة. لقد أثبتوا أن الهوية الفلسطينية ليست مجرد انتماء، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية يحملها كل شاب أينما وجد، وأن الدفاع عن الأرض والحقوق يبدأ بالحفاظ على الوعي الوطني والثقافة والتاريخ.
وفي ظل ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني من عدوان متواصل، تتضاعف مسؤولية الشباب في حماية الوحدة الوطنية، وترسيخ قيم التضامن والعمل الجماعي، والتمسك بالحقوق الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حق العودة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس. فالشباب هم الضمانة الحقيقية لاستمرار المشروع الوطني، وهم القادرون على تجديد أدوات النضال بما ينسجم مع متطلبات العصر ويحافظ في الوقت نفسه على الثوابت الوطنية.
يجب مراجعة واقع الشباب، والاستماع إلى تطلعاتهم، والعمل الجاد على توفير فرص التعليم والعمل، وتشجيع الإبداع والابتكار، وتعزيز المشاركة السياسية والمجتمعية، لأن الشباب الذين يشعرون بأنهم شركاء في وطنهم، هم الأكثر قدرة على الدفاع عنه والنهوض به.
كما أن بناء مجتمع قوي يبدأ ببناء شباب يمتلكون الوعي والمعرفة، ويؤمنون بقيم الحرية والعدالة والمساواة، ويرفضون التعصب والانقسام، ويعملون بروح المسؤولية والانتماء. فالأوطان لا تُبنى بالخطابات، وإنما بسواعد أبنائها، ولا تُصان الحقوق إلا بإرادة الأجيال التي تؤمن بها وتدافع عنها.
نقف إجلالًا لكل شاب وشابة جعلوا من أحلامهم مشروعًا للحياة، ومن علمهم طريقًا لخدمة مجتمعهم، ومن انتمائهم الوطني دافعًا للعطاء. ونخص بالتحية شباب فلسطين الذين أثبتوا أن الاحتلال يستطيع أن يدمر البيوت، لكنه لن يستطيع أن يهزم الإرادة أو يقتل الأمل، وأن الراية ستبقى مرفوعة ما دام هناك شباب يؤمنون بالحرية والكرامة والعدالة.
إن الأمم العظيمة لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تزرعه في عقول شبابها من وعي، وفي قلوبهم من انتماء، وفي إرادتهم من عزيمة. وكلما ازداد الشباب علمًا وإبداعًا وتمسكًا بقضاياهم العادلة، اقتربت الأوطان من تحقيق الحرية والتنمية والازدهار. وفي اليوم العالمي للشباب، نجدد إيماننا بأن الشباب هم طليعة التغيير، وحماة المستقبل، وأن الشباب الفلسطيني سيبقى، رغم كل التحديات، عنوانًا للصمود والإبداع والكفاح، حتى تنال فلسطين حريتها واستقلالها، ويبقى علمها خفاقًا فوق أرضها الحرة.
رهف الأطرش
لجنة التثقيف / أشد سوريا