غزة بعد 33 شهراً: حياة تُختزل بين الحصار والانتظار وخرائط تُعاد هندستها بالقوة
بعد ثلاثةٍ وثلاثين شهراً على استمرار المأساة المفتوحة في غزة، لم يعد الحديث عن الحرب كافياً لوصف ما يجري. ما يحدث اليوم يتجاوز حدود الصراع التقليدي، ليقترب من إعادة تشكيل قسرية للجغرافيا والسكان، حيث تُقضم مساحات واسعة من الأرض، ويُدفع السكان تدريجياً نحو انكماش مكاني غير مسبوق، يُحصر فيه الوجود الإنساني داخل نحو 30% من المساحة، في حين تُفرغ أو تُعاد هندسة نحو 70% من الأراضي باتجاه الغرب، ضمن واقع يزداد ضيقاً وتعقيداً يوماً بعد يوم.
هذا التحول القسري في الجغرافيا لا يمكن فصله عن المشهد الإنساني اليومي، حيث تصبح الحياة نفسها قائمة على إدارة الندرة. طوابير طويلة تمتد لساعات أمام سيارات توزيع مياه الشرب، وأخرى لمياه الاستخدام المنزلي، تقابلها طوابير مشابهة للحصول على الغذاء أو محاولة التنقل بين مناطق بات الوصول إليها محفوفاً بالصعوبات والمخاطر. لم تعد هذه الطوابير تفصيلاً عابراً في المشهد، بل أصبحت علامة دائمة على اقتصاد البقاء، حيث يُقاس اليوم بمدى القدرة على الحصول على الحد الأدنى من مقومات الحياة.
في هذا السياق، لا تبدو المعاناة مجرد نتيجة ظرف طارئ، بل جزءاً من بنية يومية متكررة، تُنتج إحساساً دائماً بالاختناق المكاني والزمني. الناس في غزة لا يعيشون فقط تحت ضغط الحاجة، بل أيضاً تحت ضغط الانتظار الطويل الذي يرافق كل فعل حياتي: انتظار الماء، انتظار الطعام، انتظار الدور، وأحياناً انتظار المجهول ذاته.
وفي ظل هذا الواقع، يتحول السكان إلى شهود مباشرين على جريمة تُمارس أمام أعينهم، جريمة لا تحتاج إلى توصيفات قانونية معقدة بقدر ما تحتاج إلى قراءة إنسانية صافية لما يعيشه الناس يومياً من إنهاك شامل. فالمشهد ليس فقط دماراً مادياً، بل أيضاً تفكيكاً تدريجياً لحق الإنسان في الحركة والاختيار والكرامة.
إن ما يجري في غزة اليوم لا يُقاس فقط بعدد الشهداء أو حجم الدمار، بل أيضاً بمدى القدرة على تحويل الحياة إلى سلسلة من القيود المكانية والإنسانية، حيث يصبح البقاء نفسه تحدياً يومياً. وفي قلب هذا المشهد، يبقى الإنسان الغزّي شاهداً ومقيماً في آن واحد، شاهداً على ما يحدث، ومقيماً داخل حدوده القسرية التي تضيق شيئاً فشيئاً.
ومع كل يوم جديد، يزداد السؤال إلحاحاً: إلى متى يمكن لحياةٍ أن تستمر وهي تُدار بهذا القدر من الحصار، وهذا الكم من الانتظار، وهذا الانكماش المتواصل في المكان والاحتمال؟