في يوم الأسير الفلسطيني، قانون إسرائيلي يشرع قتل أسرى
يأتي يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان/ابريل هذا العام بشكل مختلف عن الأعوام السابقة، وسط متغيرات خطيرة وأحداث صاخبة لم يمر منها إقرار الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون ينص على فرض عقوبة الإعدام بحق أسرى فلسطينيين، مروراً عادياً، رغم توقيت، تُسلّط الأضواء فيه على الحرب الصهيوأميركية على إيران ولبنان، لذا لم تصل الانتقادات الحقوقية والدولية إلى المستوى الذي يستحقه القانون الجائر من إدانة بما فيه من فاشية مفرطة وعنصرية منهجية تقوم على التمييز القانوني والمؤسسي، كأشد أشكال العنصرية تطرفاً، تُفرض عدم المساواة عبر قوانين حكومية ومؤسسات تمثيلية وأسوأها هذا القانون فهو بمثابة قتل متعمد.
يوم الاثنين 30 آذار 2026، تم إقرار القانون بتوقيت يصادف إحياء الفلسطينيين الذكرى الخمسين ليوم الأرض، بما يعني ذلك من دلالات، إن هذا القانون هو قانون إعدام لا ينفذ فقط ضد شخص، بل حكم يطال أرض تُسلب وتهوّد، ويطال شعباً بأكمله يتعرض للإبادة الجماعية.
يستند جوهر القانون الإسرائيلي على تصنيف النضال الفلسطيني في قوائم الإرهاب، ينطلق القانون من عدم الاعتراف بالمقاوم الفلسطيني كأسير حرب تنطبق عليه معاهدة جنيف في معاملة الأسرى. فالقانون يستهدف حركة المقاومة، وحقها المشروع في مقاومة الاحتلال وفق ما تقره القوانين والأعراف الدولية، إذ ينص القانون الصهيوني على فرض عقوبة الإعدام على شخص يقتل يهودياً إسرائيلياً عمداً، إذا كان دوافعه أمنية لها خلفية سياسية معادية للكيان الإسرائيلي، ولا يسري القانون على القتل المتعمد لأسباب جنائية عادية، وهذا يتعارض مع قواعد القانون الدولي للاحتلال، وبموجبه لا يجوز فرض تشريعات الكنيست على السكان الواقعين تحت الاحتلال، إذ إن تطبيقه بهذا الشكل الذي يمس حقوقهم الأساسية يعتبر ضماً للأرض المحتلة.
في تحليل مضمون القانون يظهر بوضوح ما يمتاز به من طبيعة فاشية متطرفة لثني المقاومين عن النضال الوطني. لكن حتى تطبيقه بهذا الشكل العنصري الفاشي لن يشكّل هذا القانون رادعاً للمقاومين، لن يستطيع العدو أن يكسر إرادة المقاومين، ولن يحبط عزيمتهم في السعي من أجل حقوقهم التاريخية الثابتة، رغم أنه قانون صيغ بمنتهى القسوة لإرهاب الفلسطينيين، يحكم بالعزل التام للأسير قبل تنفيذ الحكم في زنازين انفرادية تحت الأرض، ومنع الزيارات عنهم بشكل مطلق. ويتصف القانون بالتسريع والاستعجال، والتيسير لإصدار الحكم بالإعدام من خلال صلاحية إصدار الحكم بالأغلبية دون إجماع الهيئة القضائية، ولا تكمن السرعة في إصدار الحكم فقط، بل أيضاً في سرعة تنفيذ الحكم بالأسير، حيث نص على وجوب التنفيذ خلال 90 يوماً من صدور القرار النهائي. وهو أمر غير مقبول دولياً وإنسانياً في أحكام إعدام خلال فترة قصيرة ومحدودة، ولا يسمح للمدان أو المحكوم عليه باللقاء مع أهله أو عائلته، وهو يعكس الغاية الانتقامية في إصدار وتطبيق هذا القانون.
يحمل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين طابعاً عنصرياً بحصره تطبيق عقوبة الإعدام على الفلسطينيين، بينما القانون لا يسري على اليهودي الإسرائيلي المتهم بقتل فلسطيني، لأن الدوافع ليست معادية لـ«دولة إسرائيل» أو «الشعب اليهودي»، وهو قابل للتطبيق على فلسطينيي الـ «48» حتى لو كانوا يحملون الجنسية الإسرائيلية بذريعة أن الدافع قومي ومعادٍ لليهود.
لو لم يكن هذا القانون عنصرياً، كان من المفترض أن يصاغ أيضاً قانون إعدام على جرائم المستوطنين المبنية على أساس عنصري، ومنذ 28 شباط/ فبراير الماضي قتل مستوطنون 6 فلسطينيين على الأقل في الضفة الغربية. ومازال الجميع يذكر مذبحة الحرم الإبراهيمي التي نفذها باروخ غولدشتاين 25 شباط/فبراير 1994، وقتل 29 مصلياً وجرح 150 آخرين، والجريمة التي ارتكبها المستوطن عميرام بن أوليئيل قاتل ثلاثة أفراد من عائلة الدوابشة حرقاً بدوافع عنصرية في هجوم وقع عام 2015 استمرت القضية خمس سنوات لإصدار حكم في قضية قتل عنصرية واضحة تماماً، يظهر التباطؤ في إصدار الحكم على قتل جماعي يستحق الإعدام مقارنة مع ما يتضمنه قانون إعدام أسرى فلسطين.
وتضمن القانون حماية منفذي الحكم بإخفاء هويتهم، ومنحهم حصانة قانونية جنائية ومدنية مطلقة، عبر الشنق بيد ضابط سجون ملثم، وهذا اعتراف ضمني أن هذا القانون غير إنساني ويثير حفيظة المنظمات الدولية الإنسانية، وقد يُلاحق القضاة ومنفذي الإعدام بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
يتوضح من شكل المحكمة، وطريقة تشكيلها، الإصرار على القتل واعتبار الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت، وأن الحكم بالإعدام على الفلسطيني صادر حتماً ومسبقاً قبل عقد المحكمة، فالقاعدة هي الإعدام، وما المحكمة العسكرية إلا محكمة شكلية لإعطاء القتل شرعية تفتقدها، لا يشترط القانون أن تطالب النيابة العامة من المحكمة العسكرية إنزال أقصى عقوبة، ولا تتطلب قراراً بالإجماع من هيئة القضاة، ويحرم المحكوم العفو عن عقوبة الإعدام، أو تخفيفها، أو إلغائها، كما هو الحال مع ما نص عليه القانون في إغلاق باب الطعن والاستئناف في حال صدور حكم بالإعدام بحق أسرى فلسطينيين، وهو ما ينتهك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تكفل حق الشخص في اللجوء لمحكمة أعلى درجة لإعادة النظر في قرار إدانته، كما حظر أي تخفيف أو إلغاء للحكم بعد صدوره، ويتميز القانون بصرامته اتجاه ظروف تنفيذ القتل، حيث يمنع القاضي من الأخذ بأي ظرف مخفف بعين الاعتبار، لا يسمح القانون للسلطة التقديرية باستخدام مراعاة الظروف الشخصية للمتهم.
يشير مضمون القانون إلى أنه ذو طبيعة سياسية فاشية انتقامية من الفلسطينيين يجسد استمراراً لتحول المجتمع الإسرائيلي نحو الفاشية، والإصرار على مواصلة جريمة الإبادة الجماعية، دون أي نوع من الإنسانية في الإجراءات الصارمة بعد صدور حكم الإعدام من حيث الترتيبات المتعلقة بظروف الحبس الانفرادي للشخص المحكوم عليه بالإعدام.
يذكر أن الكنيست الإسرائيلي في كانون الثاني / يناير 2018 قد صادق في قراءة تمهيدية على مشروع القانون قدمه زعيم حزب «القوة اليهودية»، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وعدم إقرار قانون الإعدام طوال أكثر من ثمانية سنوات وشهرين لم يمنع مصلحة سجون الاحتلال من القيام بإعدام المناضلين الفلسطينيين، إذ ارتفع عدد الشهداء في سجون الاحتلال بشكل ملحوظ، منذ بدء العدوان على شعبنا في السابع من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2023 ارتكبت سلطات الاحتلال أبشع وأفظع الجرائم الإنسانية، حيث اعترفت إسرائيل في 30 تموز/ يوليو2024. باستشهاد 48 أسيراً من أسرى القطاع، منهم 36 أسيراً في سجن «سديه تيمان» وحده.
وتشكّل جريمة «القتل البطيء» بالإهمال الطبي، أبرز هذه الجرائم بحق الأسرى، بإبقائهم دون علاج حتى تتدهور الحالة الصحية للأسير المريض، وكان من بين ضحايا الإهمال الطبي، الشهيد أحمد أبو علي من الخليل، الذي استُشهد في شهر شباط/ فبراير 2023. واستشهد الأسير وليد دقة يوم الأحد 7 نيسان 2024، جرّاء سياسة الاهمال الطبي المتعمد، وترفض محكمة الاحتلال الإفراج المبكر عن الأسرى المرضى، وعلى العكس رغم المعاناة من آلام المرض يتعرض الأسير للعزل الانفرادي، والنقل التعسفي وغيرها من أساليب التنكيل. ومن أساليب الإعدام الأخرى والأشد فظاظة استشهاد خضر عدنان في سجون الاحتلال الإسرائيلي يوم الثلاثاء 2 أيار/مايو 2023 نتيجة إضرابه عن الطعام دام 87 يوماً، وترفض سلطات الاحتلال إطلاق سراحه رغم كونه معتقلاً إدارياً. يضاف إلى ذلك الإعدام الميداني خارج القانون وأكثرها بشاعة ترك الجريح منفذ عملية فدائية ينزف حتى الموت بمنع سيارات الإسعاف من الوصول إليه.
يظهر القانون عجز النظام الدولي وإخفاقه في وضع حد للجرائم الإسرائيلية، التي حصدت أرواح عشرات الآلاف من الأشخاص المدنيين المحميين بموجب أحكام القانون الدولي. ويشير إلى تجاهل خطير للنداءات كافة التي أطلقتها الهيئات الدولية الخاصة بإنفاذ أحكام القانون الدولي، حيث يرقى قانون الإعدام بصورته الحالية إلى جريمة حرب بموجب المادة «8» من ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وينتهك الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.