اللاجئ الفلسطيني... الشاهد الذي يريد الاحتلال إسقاطه من المعادلة

  انطلقت يوم الأحد أعمال الدورة الخامسة عشرة بعد المئة لمؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة، في لحظة سياسية لا تسمح بالتعامل مع قضية اللاجئين بوصفها ملفاً إغاثياً على جدول أعمال مؤسسة عربية. فالمؤتمر ينعقد بينما تتعرض القضية الفلسطينية برمتها لهجوم استراتيجي يستهدف الأرض والشعب والحقوق، ويتخذ من حرب الإبادة في قطاع غزة، والاستيطان والضم والتهجير في الضفة الغربية والقدس، والهجوم على وكالة «الأونروا» والمخيمات الفلسطينية، أدوات متكاملة لمشروع واحد: تصفية القضية الفلسطينية وإسقاط حقوقها الوطنية غير القابلة للتصرف.

في هذا السياق، لا يمكن فصل استهداف الأونروا عن استهداف اللاجئين، ولا فصل تدمير المخيمات عن محاولة إسقاط حق العودة. فالمشروع الإسرائيلي يدرك أن قضية اللاجئين هي جوهر الصراع، وأن ملايين الفلسطينيين الذين يحملون صفة «لاجئ» هم الشاهد الحي على جريمة النكبة، وأن المخيمات، رغم ما أصابها من فقر وتهجير ودمار، لا تزال تحفظ الذاكرة الوطنية الفلسطينية وتعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل.

لهذا، فإن الحرب على الأونروا ليست حرباً على مؤسسة إغاثية. إنها حرب على الوظيفة السياسية والقانونية التي تمثلها الوكالة باعتبارها شاهداً دولياً على استمرار قضية اللاجئين، وعلى أن النكبة لم تتحول إلى حدث تاريخي منتهٍ، وأن حق العودة لم يسقط، وأن مسؤولية المجتمع الدولي لم تنتهِ. إن محاولة تجفيف موارد الأونروا، وتقليص خدماتها، والتشكيك في ولايتها، ليست سوى طريق سياسي يراد منه دفع قضية اللاجئين نحو النسيان، وتحويلها من قضية حقوق وطنية إلى ملف مساعدات إنسانية قابل للإغلاق.

وهنا تكمن مسؤولية الدول العربية والمجتمع الدولي. فالأونروا لا يجوز أن تبقى رهينة التمويل الطوعي وتقلبات المانحين، بينما يستمر الاحتلال في إنتاج اللاجئين والنازحين وتدمير المخيمات. المطلوب تمويل مستدام للوكالة، وحماية سياسية وقانونية لولايتها، ورفض كل محاولات تصفيتها أو نقل مسؤولياتها إلى جهات أخرى، مع التأكيد أن استمرار الأونروا ليس بديلاً عن حق العودة، بل أحد عناوين المسؤولية الدولية تجاه اللاجئين إلى حين تنفيذ القرار 194.

إن القضية الأساسية ليست كيف ندير اللجوء، بل كيف ننهي أسبابه. فالمجتمع الدولي الذي أنشأ الأونروا لمواجهة نتائج النكبة مطالب اليوم بتحمل مسؤولياته في إنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية، وفي مقدمتها حق العودة. أما تحويل الوكالة إلى مؤسسة إغاثية بلا أفق سياسي، فهو استجابة مباشرة للمشروع الإسرائيلي الذي يريد أن يختفي اللاجئ من المعادلة السياسية بمجرد أن يتوقف العالم عن تمويل الوكالة.

ومن هنا، فإن المخيمات الفلسطينية، في غزة والضفة والدول العربية المضيفة، هي جزء من البنية الوطنية والاجتماعية لقضية اللاجئين. واستهدافها وتدميرها وتهجير سكانها لا ينفصل عن سياسة اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وذاكرته. فالمطلوب إسرائيلياً ليس فقط السيطرة على الأرض، بل تفكيك الشعب الفلسطيني إلى مجموعات متناثرة: سكان محاصرون في غزة، وكتل سكانية مقطعة في الضفة، ومقدسيون مهددون بالاقتلاع، ولاجئون يُدفعون إلى الهجرة، ثم يُطلب من العالم التعامل مع هذه النتائج باعتبارها وقائع جديدة.

إن التهجير لا يحدث دائماً تحت وقع القصف. قد يبدأ بتجفيف الخدمات، وتكريس الفقر، وغياب فرص العمل، وانهيار التعليم والصحة، وتحويل المخيم إلى مساحة طاردة لسكانها. ولذلك فإن دعم صمود اللاجئين ليس مساعدة اجتماعية فقط، بل هو فعل سياسي في مواجهة مشاريع التهجير والتوطين وتفكيك الهوية الوطنية.

لكن الصمود لا يعني إبقاء اللاجئين في دائرة الفقر. المطلوب حياة كريمة، وخدمات مستدامة، وفرص تعليم وعمل، وحماية اجتماعية، من دون تحويل هذه الحقوق إلى بديل عن حق العودة. فحق اللاجئ في الحياة الكريمة وحقه في العودة حقان متكاملان، وليس أحدهما بديلاً عن الآخر.

إن معركة الأونروا هي جزء من معركة حق العودة. ومعركة المخيمات هي جزء من معركة الوجود الفلسطيني. ومعركة حماية اللاجئين هي جزء من معركة إحباط التهجير والتوطين وتصفية القضية.

لذلك، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن يحملها مؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين هي أن قضية اللاجئين ليست عبئاً على الدول المضيفة، وأن الأونروا ليست مؤسسة قابلة للتصفية بقرار إسرائيلي، وأن المخيمات ليست بيئة سكانية فائضة يمكن تفريغها، وأن حق العودة ليس بنداً قابلاً للحذف من أي تسوية.

المشكلة ليست في اللاجئ، ولا في المخيم، ولا في الأونروا.

المشكلة في الاحتلال الذي صنع النكبة، وفي القوى الدولية التي تحميه، وفي كل مشروع يحاول معالجة نتائج الجريمة مع إبقاء الجريمة نفسها قائمة.

أما اللاجئون الفلسطينيون، فسيبقون في قلب القضية الفلسطينية، وسيبقى حق العودة عنواناً للعدالة، وستبقى الأونروا شاهداً على مسؤولية المجتمع الدولي، إلى أن ينتهي الاحتلال ويعود الشعب الفلسطيني إلى أرضه ودياره

disqus comments here