الضفة الغربية في مرمى المشروع الصهيوني الأكبر
كتب اسماعيل الريماوي: لم يعد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية مجرد سياسة توسع عمراني أو إجراءات أمنية مؤقتة، بل بات يمثل المشروع المركزي للحركة الاستيطانية وحكومة نتنياهو المتطرفة ، دينياً وسياسياً واستراتيجياً، فان ما يجري على الأرض تنفيذ خطة متسارعة تهدف إلى حسم مستقبل الضفة الغربية وفرض وقائع تجعل قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً شبه مستحيل.
ينطلق هذا المشروع من رؤية أيديولوجية تعتبر الضفة الغربية، أو ما يسمى في الخطاب الاستيطاني “يهودا والسامرة”، جزءاً من “أرض إسرائيل التاريخية”، وهو ما يدفع قادة المستوطنين إلى السعي لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها، أما سياسياً، فيتم ترجمة هذه الرؤية من خلال ما يعرف بـ”خطة الحسم”، التي تقوم على تكريس السيطرة الإسرائيلية الدائمة، ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة أو حصر وجودهم داخل تجمعات ومدن مكتظة ومعزولة، بينما يتم الاستيلاء تدريجياً على الريف الفلسطيني والمناطق الزراعية والمراعي والمرتفعات الاستراتيجية.
وتشهد الضفة الغربية اليوم تسارعاً غير مسبوق في التوسع الاستيطاني، حيث لم تعد الأدوات تقتصر على بناء المستوطنات التقليدية، بل أصبحت أكثر تعقيداً وتنظيماً، وتهدف إلى فرض الضم الفعلي على مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية.
وتبرز معالم هذه الاستراتيجية في عدة مسارات متوازية، أولها شرعنة البؤر الاستيطانية العشوائية، عبر تحويل عشرات البؤر والمزارع الرعوية التي أقيمت بصورة غير قانونية حتى وفق القوانين الإسرائيلية، إلى مستوطنات معترف بها رسمياً، بما يمنحها البنية التحتية والحماية العسكرية والتمويل الحكومي، ويجعل إزالتها مستقبلاً أكثر صعوبة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في إنشاء شبكة واسعة من الطرق الالتفافية والعرضية، التي لا تخدم فقط حركة المستوطنين، بل تعيد رسم الخريطة الجغرافية للضفة الغربية، من خلال ربط المستوطنات بعضها ببعض وربطها مباشرة بالداخل الإسرائيلي، وفي المقابل تقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية وتحويلها إلى جزر معزولة يصعب التواصل بينها.
ويأتي المسار الثالث عبر ما يمكن وصفه بسياسة الضم الصامت، التي تعتمد على تكثيف الضغوط على التجمعات الفلسطينية، خصوصاً البدوية والرعوية، من خلال اعتداءات المستوطنين، ومصادرة الأراضي، ومنع الرعي والزراعة، وهدم المنازل والمنشآت، وفرض وجود عسكري يوفر الحماية للمستوطنين، بما يدفع السكان إلى الرحيل القسري دون إصدار قرارات تهجير رسمية.
إن الهدف النهائي لهذه السياسات لا يقتصر على توسيع المستوطنات، بل يتمثل في إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي للضفة الغربية، بحيث يُحاصر الفلسطينيون داخل تجمعات سكانية محدودة، بينما تمتد السيطرة الإسرائيلية على معظم الأراضي المفتوحة والموارد الطبيعية والمحاور الاستراتيجية، الأمر الذي يفرغ أي حديث عن وهم حل الدولتين من مضمونه العملي.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة مفصلية، حيث يجري الانتقال من إدارة الاحتلال إلى تثبيت مشروع الضم الدائم، وإذا استمر المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانات دون إجراءات عملية، فإن ما يجري اليوم قد يتحول خلال سنوات قليلة إلى واقع لا يمكن التراجع عنه، لتصبح المستوطنات هي الإطار الجغرافي والسياسي الحاكم، بينما يُدفع الفلسطينيون إلى العيش في كانتونات معزولة تفتقر إلى مقومات الدولة والسيادة، في واحدة من أخطر عمليات إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
حيث يسعى المشروع الاستيطاني إلى تحقيق أهدافه عبر الإرهاب المنظم، ولم تعد اعتداءات المستوطنين أحداثاً معزولة، بل أصبحت جزءاً من سياسة متكاملة تحظى بالحماية والمساندة من جيش الاحتلال، وما شهدته قرية تل غرب نابلس من هجوم دموي نفذه المستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال، وأسفر عن سقوط شهداء وجرحى وإحراق ممتلكات ومنازل، يقدم نموذجاً واضحاً لطبيعة المرحلة التي تعيشها الضفة الغربية، حيث تتحول القرى الفلسطينية إلى ساحات مفتوحة لحرب استيطانية إحلالية تستهدف الإنسان والأرض معاً، بهدف دفع السكان إلى الرحيل وفرض وقائع جديدة بالقوة.
وفي المقابل، يزداد شعور الفلسطينيين بأنهم يواجهون هذه الحرب في ظل غياب حماية حقيقية، فبينما تتعرض القرى والبلدات لهجمات متكررة من المستوطنين، تتجه جهود السلطة الفلسطينية، وفق ما يراه كثير من الفلسطينيين، إلى ملاحقة بعض من يدافعون عن أنفسهم وعائلاتهم أو ينظمون لجاناً شعبية للدفاع عن مناطقهم، بدلاً من أن يكون هناك تركيز على حماية المواطنين وتعزيز صمودهم في مواجهة الاعتداءات المتصاعدة، ومع استمرار هذا الواقع، تبدو الضفة الغربية أمام أخطر مراحلها منذ عقود، حيث تتسارع خطوات الضم والتهجير والاستيطان، في وقت يتطلب فيه الحفاظ على الأرض والإنسان تعزيز الوحدة الوطنية، وحشد كل الإمكانات السياسية والقانونية والشعبية لحماية الوجود الفلسطيني، لأن ما يجري اليوم لم يعد مجرد توسع استيطاني، بل مشروع إحلالي شامل يستهدف تغيير هوية الضفة الغربية ومستقبلها بصورة قد يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.