تقرير : تمكين الفلسطينيين وتثبيت حقوق الملكية مفتاح إعادة إعمار مستدامة لقطاع غزة

يدعو تقرير تحليلي نشرته مجلة Foreign Affairs إلى إعادة التفكير جذريًا في كيفية إعادة إعمار قطاع غزة، مؤكدًا أن نجاح العملية مرهون بتمكين الفلسطينيين أنفسهم من قيادتها، بدلًا من الاعتماد على خطط مركزية تضعها أطراف خارجية.

ويرى التقرير أن تعزيز حقوق الملكية والانطلاق من مبادرات محلية يمثلان المدخل الأكثر واقعية واستدامة.

نص التقرير

في وقت تتزايد فيه المبادرات الدولية لإعادة إعمار قطاع غزة، يطرح تقرير حديث في مجلة Foreign Affairs رؤية مغايرة، تعتبر أن معظم الخطط المطروحة حتى الآن تعاني من خلل جوهري يتمثل في غياب الصوت الفلسطيني عن عملية التخطيط.

ويشير التقرير، الذي أعده كل من ألان بيرتو، إدوارد غلايزر، وطارق مسعود (Foreign Affairs، 23 أبريل 2026)، إلى أن حجم الدمار في القطاع غير مسبوق، حيث تنتشر نحو 60 مليون طن من الأنقاض، فيما تم تدمير أكثر من 70% من المباني، وفق تقديرات نقلتها هآرتس. ويقارن التقرير هذا المستوى من الدمار بما شهدته مدينة دريسدن خلال الحرب العالمية الثانية، مع الإشارة إلى أن غزة تواجه ظروفًا أكثر تعقيدًا، أبرزها استمرار الصراع والانقسام السياسي.

ورغم طرح عدة مبادرات لإعادة الإعمار، ينتقد التقرير اعتمادها على نماذج تخطيط مركزية لا تأخذ بعين الاعتبار احتياجات السكان. ويورد مثالًا على ذلك المخطط المصري الذي يقسم القطاع إلى مناطق وظيفية منفصلة، إضافة إلى مقترحات طرحها جاريد كوشنر، والتي تسعى إلى تحويل غزة إلى وجهة سياحية ومركز اقتصادي، لكنها—بحسب التقرير—تفتقر إلى فهم الواقع المحلي.

في المقابل، يدعو التقرير إلى تبني نهج “إعادة الإعمار من القاعدة إلى القمة”، بحيث يكون السكان المحليون، وخاصة مالكو الأراضي، في صلب العملية. ويؤكد أن الخطوة الأولى يجب أن تتمثل في إعادة تثبيت حقوق الملكية، وضمان عودة الأراضي إلى أصحابها، ومنحهم الحرية في إعادة البناء أو تطوير أراضيهم أو بيعها وفقًا لخياراتهم، مع تقليل القيود التنظيمية.

ويستند هذا الطرح إلى تجارب تاريخية، أبرزها إعادة إعمار طوكيو بعد الحرب العالمية الثانية، حيث فشلت الخطط المركزية في البداية، قبل أن تتحول العملية إلى مبادرة قادها السكان، ما ساهم في إعادة بناء المدينة بشكل مرن ومتوافق مع احتياجاتها المتغيرة. كما يشير التقرير إلى تجربة منطقة كوتش في الهند بعد زلزال 2001، والتي اعتمدت نهجًا مشابهًا قائمًا على دور المجتمع المحلي.

ورغم تأكيده على أهمية الدور المجتمعي، يقر التقرير بوجود مهام تتطلب تدخلًا مركزيًا، مثل إزالة الأنقاض، وتطوير البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الطرق والمستشفيات والموانئ. كما يقترح إنشاء منطقة اقتصادية خاصة لجذب الاستثمارات الأجنبية، مع توفير بيئة آمنة وتنظيمات مرنة.

وفي هذا السياق، يحذر التقرير من تكرار نماذج سابقة، مثل تجربة إعادة إعمار وسط بيروت عبر شركة “سوليدير”، والتي أدت—بحسب دراسات دولية—إلى تعميق الفوارق الاجتماعية وإقصاء شريحة واسعة من السكان لصالح مشاريع موجهة للنخب.

ولا يغفل التقرير البعد السياسي لإعادة الإعمار، حيث يشير إلى أن تمكين الفلسطينيين من التحكم بأراضيهم قد يسهم في إعادة بناء الحياة السياسية، في ظل غياب الانتخابات منذ نحو عقدين. ويستشهد في هذا السياق بأفكار المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل، التي تربط بين الملكية الخاصة وتعزيز المطالبة بالحقوق السياسية.


يخلص التقرير إلى أن إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تكون مجرد مشروع هندسي أو مالي، بل عملية سياسية واجتماعية شاملة. وبحسب ما ورد في Foreign Affairs، فإن تمكين الفلسطينيين من قيادة هذه العملية، مع دعم دولي محدود يركز على التمويل والبنية التحتية، يمثل الخيار الأكثر قابلية لتحقيق إعادة إعمار مستدامة تعكس احتياجات السكان وتطلعاتهم.

disqus comments here