مضيق هرمز على حافة الاشتعال.. قراءة في تصعيد أمريكي–إيراني متعدد الجبهات
تشير التطورات المتسارعة في منطقة الخليج والشرق الأوسط إلى انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من مستوى “الاشتباك المحدود” إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على إدارة حرب ضغط متعددة الأدوات، تجمع بين العمليات العسكرية المباشرة، وحرب الملاحة، والتصعيد السياسي والاقتصادي، في ظل غياب أي مسار تفاوضي قادر على ضبط الإيقاع الميداني.
ميدانياً، تبدو الساحة البحرية في مضيق هرمز محور الاشتباك الأكثر حساسية، حيث تتبادل واشنطن وطهران أدوار الهجوم والردع. الولايات المتحدة أعلنت اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة إيرانية، بالتوازي مع تنفيذ ضربات استهدفت مواقع رادار ساحلية في جزر إيرانية. في المقابل، تقدم إيران رواية مقابلة تؤكد فيها استهداف سفن وقواعد أمريكية، ما يعكس نمطاً كلاسيكياً في هذا النوع من الصراعات: “حرب روايات” موازية لحرب النار، تهدف كل طرف فيها إلى تثبيت صورة السيطرة وفرض معادلة ردع إعلامية لا تقل أهمية عن الميدان العسكري.
اللافت في هذا التصعيد أن العمليات لا تبقى محصورة في نقاط تماس تقليدية، بل تمتد إلى عمق الخليج، حيث أعلنت الكويت والبحرين حالة تأهب وإطلاق أنظمة الدفاع الجوي وصفارات الإنذار. هذا الانتشار الجغرافي للأحداث يشير إلى تحول المواجهة من صراع ثنائي إلى تهديد إقليمي واسع، يضع القواعد العسكرية الأمريكية والبنية الأمنية الخليجية ضمن دائرة الاستهداف المباشر أو غير المباشر، بما يعكس اتساع نطاق الاشتباك خارج الجغرافيا الإيرانية التقليدية.
على المستوى الإيراني، يظهر الحرس الثوري كفاعل ميداني رئيسي يعتمد استراتيجية “الضغط المتدرج”، عبر الجمع بين استهدافات محدودة ورسائل ردع عالية السقف، مثل التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو توسيع نطاق العمليات البحرية. هذه المقاربة تهدف إلى رفع كلفة الوجود الأمريكي في المنطقة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع الاحتفاظ بأداة المضيق كورقة ضغط استراتيجية تمس الاقتصاد العالمي مباشرة.
في المقابل، تعتمد واشنطن على استراتيجية “الردع الدفاعي النشط”، حيث تبرر عمليات الاعتراض والضربات الجوية بأنها إجراءات لحماية الملاحة الدولية ومنع تهديد القواعد والمصالح الأمريكية. لكن هذا النمط من الرد، رغم طابعه الدفاعي المعلن، يحمل في جوهره بعداً تصعيدياً تدريجياً، لأنه يوسع دائرة الاستهداف ويعمّق الاشتباك العسكري المباشر مع البنية العسكرية الإيرانية.
سياسياً، لا يظهر في الأفق أي اختراق تفاوضي حقيقي، رغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تؤكد أن إيران “ستضطر” في النهاية إلى الاتفاق. هذه اللغة تعكس مقاربة تفاوضية قائمة على الضغط القصوى، لكنها في الوقت ذاته تُبقي الباب مفتوحاً لتصعيد أطول، في ظل تقديرات تفيد بأن أي اتفاق في المرحلة الحالية سيبقى مرهوناً بتوازنات ميدانية لم تستقر بعد.
اقتصادياً، يشكل مضيق هرمز نقطة الارتكاز الأخطر في المشهد، إذ يربط بين التصعيد العسكري وأسواق الطاقة العالمية. أي تعطيل لحركة الملاحة أو تهديد جدي لإمدادات النفط ينعكس فوراً على الأسعار العالمية، ما يضع الحرب في إطار يتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد الدولي، ويجعل من كل عملية عسكرية في الخليج حدثاً ذا تأثير عالمي مباشر.
في المحصلة، يمكن قراءة المشهد الحالي باعتباره مرحلة “اختبار إرادات” بين واشنطن وطهران، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت خطوطه الحمراء دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكن مع رفع تدريجي لمستوى المخاطر. هذا التوازن الهش يجعل المنطقة أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة، قابلة للتوسع أو الاحتواء، بحسب تطور المواجهات في البحر والخليج، ومدى قدرة الطرفين على ضبط حدود التصعيد في المرحلة المقبلة.