معادلة القسوة في غزة

تعيش غزة واحدة من أكثر لحظاتها قسوة، حيث لم تعد الأزمة الإنسانية مجرد توصيف عابر في التقارير الدولية، بل واقعًا يوميًا يلامس تفاصيل حياة السكان في الغذاء والماء والدواء والمأوى، ويتفاقم الأمر يومًا تلو الآخر، في ظل استمرار القيود الخانقة وتراجع تدفق المساعدات، إذ يجد مئات الآلاف من المدنيين أنفسهم أمام معادلة قاسية، احتياجات أساسية غير متوافرة، وقدرة شبه معدومة على تلبيتها، في ظل ارتفاع جنوني للأسعار وانهيار شبه كامل للقدرة الشرائية.
النقص الحاد في الغذاء لم يعد استثناء، إذ باتت كثير من العائلات تعتمد على وجبة واحدة غير مكتملة يوميًا، وتحول البحث عن الدقيق أو الزيت أو الحليب إلى معركة يومية تستنزف الجهد والكرامة معًا، وقد لا يتمكن من الحصول عليها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أدى نقص المعروض من السلع الأساسية، إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، ما جعل حتى السلع المتوفرة خارج متناول شريحة واسعة من السكان، خصوصًا العاطلين عن العمل أو من فقدوا مصادر رزقهم بفعل الحرب والدمار، هذا الواقع لا يهدد فقط الأمن الغذائي، بل ينذر بتداعيات صحية خطيرة، خاصة على الأطفال وكبار السن والمرضى.
أيضا، يعيش القطاع الصحي، حالة استنزاف متواصل، في ظل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وغياب الوقود اللازم لتشغيل المستشفيات، مما جعل تقديم الرعاية الصحية أشبه بمحاولة إسعاف جرح عميق بأدوات بدائية، ومع تزايد الحالات المرضية وسوء التغذية، تتقلص قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة، في وقت يفترض فيه أن تكون خط الدفاع الأخير عن حياة المدنيين، وتتفاقم الأزمة، أمام محدودية المساعدات الطبية، التي لا تغطي الاحتياجات المتراكمة.
ما يزيد الأزمة الإنسانية تعقيدًا، نُدرة الغاز ورغم التقارير عن دخول شاحنات غاز إلى القطاع، إلا أن واقع التوزيع يثير غضبًا واسعًا بين السكان، وبات الحصول على أسطوانة غاز مهمة شاقة، تخضع أحيانًا للانتظار الطويل أو الوساطات أو الأسعار المرتفعة، ما يحرم آلاف العائلات من وسيلة أساسية للطهي والتدفئة، وهنا لا تكمن المشكلة فقط في الكمية، بل في آليات التوزيع وغياب العدالة والشفافية، وهو ما يعمّق شعور الإحباط وفقدان الثقة لدى المواطنين.
ما تشهده غزة ليس مجرد أزمة إنسانية طارئة، بل حالة تدهور ممنهجة تهدد النسيج الاجتماعي ومستقبل أجيال كاملة، واستمرار هذا الواقع دون حلول جذرية، سواء على مستوى رفع القيود الخارجية أو تحسين الإدارة الداخلية، يعني أن المعاناة ستتعمق أكثر، وأن الحديث عن الإغاثة سيبقى مجرد مسكن مؤقت لألم يتجدد يومًا بعد يوم، ولا تحتاج غزة إلى مساعدات فقط، بل إلى رؤية إنسانية وسياسية تضع حياة المدنيين وكرامتهم في صدارة الأولويات، قبل أن يصبح الانهيار الكامل أمرًا واقعًا لا يمكن تداركه.
الأوضاع الصعبة على أرض غزة، أشعلت موجة من الغضب، وتعالت نبرة الانتقادات الموجهة إلى حركة حماس، التي تُحملها قطاعات واسعة من السكان مسؤولية الإهمال وسوء الإدارة، إذ يرى السكان أن الحركة، بصفتها سلطة أمر واقع في غزة، لم تنجح في إدارة الموارد المحدودة بكفاءة، ولم تقدم حلولًا عملية تخفف من معاناة المدنيين، هذا الإحساس بالعجز لا ينفصل عن حالة أوسع من الانسداد السياسي، حيث يدفع السكان ثمن صراعات أكبر منهم، دون أن يكون لهم دور في صنع القرار أو توجيه السياسات.
ورغم ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة الإنسانية في غزة في مسؤولية طرف واحد فقط، ويبقى الاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض حصارًا مستمرًا، وقيود خانقة على حركة البضائع والأفراد، وتباطؤ المجتمع الدولي في توفير استجابة إنسانية كافية، كلها عوامل متداخلة ساهمت في الوصول إلى هذا الوضع الكارثي.

disqus comments here