حرب أمريكية -إسرائيلية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط: تحالف عسكري يتعمق وسياسة تتصدع
واشنطن: تشهد الحرب الجارية ضد إيران تحولاً غير مسبوق في طبيعة العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ تمثل العمليات الحالية أول نموذج فعلي لحرب مشتركة متكاملة بين البلدين منذ الحرب العالمية الثانية. فالحملتان العسكريتان اللتان أطلقتا ضد إيران — العملية الأمريكية “Epic Fury” والعملية الإسرائيلية “Rising Lion” — لا تعملان بشكل منفصل، بل ضمن هيكل عملياتي موحد يقوم على دمج الاستخبارات وتقسيم الأهداف العسكرية وتقاسم المخاطر.
وبحسب تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs، فإن هذا المستوى من التكامل يمثل تحولاً جذرياً في طبيعة التحالف العسكري بين واشنطن وتل أبيب. فعادةً ما تخوض الولايات المتحدة حروبها ضمن تحالفات واسعة تقودها هي، كما حدث في أفغانستان بعد عام 2002 أو في العراق عام 2003، حيث نفذت واشنطن الجزء الأكبر من العمليات العسكرية. أما في الحملة الحالية ضد إيران، فقد أصبح الطرفان يعملان كشريكين متكافئين داخل منظومة عمليات مشتركة.
ويظهر هذا التكامل في توزيع واضح للأدوار العسكرية. فإسرائيل ركزت على استهداف القيادات العسكرية والأمنية الإيرانية، في حين تولت الولايات المتحدة ضرب منشآت تخزين الصواريخ والبنية البحرية الإيرانية، إلى جانب المشاركة في العمليات السيبرانية وحملات الحرب المعلوماتية. كما يشمل التعاون تنسيقاً كاملاً في الدفاع الجوي والعمليات الجوية وتبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة.
هذا المستوى من التنسيق لم يتشكل فجأة. فالتكامل العسكري بين البلدين بدأ يتبلور تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب عام 2020 نقل إسرائيل من نطاق القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) المسؤولة عن الشرق الأوسط. وقد فتح هذا القرار الباب أمام إدماج إسرائيل في شبكات الدفاع الجوي الإقليمية ومبادرات تبادل المعلومات مع جيوش المنطقة.
كما تعزز هذا التعاون خلال إدارة الرئيس جو بايدن، ولا سيما بعد المناورات العسكرية المشتركة Juniper Oak عام 2023 التي جمعت القوات الجوية والبرية والبحرية والفضائية والسيبرانية للبلدين في أول تمرين “متعدد المجالات” في الشرق الأوسط. واختبر هذا التمرين قدرة الجيشين على القتال المشترك وتبادل المعلومات في سيناريوهات حرب معقدة.
وجاء هجوم حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 ليشكل اختباراً عملياً لهذا التعاون. فقد عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط وقدمت دعماً واسعاً لإسرائيل، كما قادت تحالفات دفاع جوي لاعتراض الهجمات الصاروخية الإيرانية على إسرائيل خلال عامي 2024 و2025. ومع ذلك، بقي الدور الأمريكي آنذاك محصوراً في دعم الدفاع الإسرائيلي دون المشاركة في ضربات هجومية مباشرة ضد إيران.
أما في الحرب الحالية، فقد تغيرت المعادلة. إذ تعمل القوات الأمريكية والإسرائيلية ضمن إطار عملياتي موحد يشمل ضربات جوية منسقة وعمليات سيبرانية مشتركة وحملات إعلامية تهدف إلى إرباك النظام الإيراني والتأثير على الرأي العام داخل إيران.
لكن هذا التقارب العسكري يتزامن مع تصدع متزايد في الدعم السياسي للتحالف داخل الولايات المتحدة. فقد أظهرت استطلاعات حديثة للرأي تراجع التعاطف الشعبي الأمريكي مع إسرائيل بشكل ملحوظ. ففي استطلاع لمؤسسة غالوب أُجري في فبراير الماضي، ولأول مرة منذ 25 عاماً، قال عدد أكبر من الأمريكيين إن تعاطفهم في الشرق الأوسط يميل إلى الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين.
كما أظهر استطلاع آخر أن الدعم لإسرائيل بين الأمريكيين تراجع من نحو 60 في المئة عام 2020 إلى ما يقارب 36 في المئة حالياً، بينما يعارض جزء كبير من الناخبين استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل. ويبدو هذا التباين واضحاً أيضاً في نظرة المجتمعين للحرب الحالية؛ فبينما يرى الإسرائيليون إيران تهديداً وجودياً ويدعم معظمهم العمليات العسكرية، يظهر الرأي العام الأمريكي قدراً أكبر من التردد والمعارضة للحرب.
وفي ظل هذا التباين، يحذر التحليل من أن الخطر الأكبر قد لا يكون عسكرياً بل سياسياً. فاستمرار الفجوة بين الرأي العام في البلدين قد يهدد مستقبل التحالف نفسه، خصوصاً إذا طال أمد الحرب أو توسع نطاقها إقليمياً.
وتزداد هذه المخاطر مع تصاعد الضربات الإيرانية ضد البنية التحتية المدنية والطاقة في دول الخليج، ما قد يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية والنموذج الاقتصادي لدول الخليج الذي يعتمد على الاستقرار الأمني.
ويرجح التحليل أن نهاية الحرب ستبقى مرتبطة بالقرار السياسي في واشنطن. فإذا ارتفعت كلفة الصراع أو ازدادت الخسائر الأمريكية، قد يسعى الرئيس الأمريكي إلى مخرج سياسي لا يصل إلى إسقاط النظام الإيراني، وهو سيناريو قد يخفف التهديد الإيراني مؤقتاً لكنه يترك المنطقة في حالة جمود استراتيجي.
وفي المحصلة، يرى التحليل أن الحرب الحالية تمثل لحظة تاريخية في تطور التحالف العسكري الأمريكي-الإسرائيلي. غير أن هذا التكامل العسكري غير المسبوق قد يتحول إلى خسارة استراتيجية إذا أدى غياب قيادة سياسية قادرة على بناء توافق داخلي في البلدين إلى تقويض الشراكة التي جعلت هذا التعاون ممكناً.