ارسم صورة

ارسم صورة... ارسم طفلًا بوجهٍ من صبح، وعينين لم تتعلّما الخوف... ارسم في يديه قلمًا صغيرًا، ودعه يرسم سماءً لا تُغلقها الغيوم، وطائرًا لا يعرف القفص. ارسم رجلًا... يمشي إلى غده ولا يلتفت كثيرًا إلى الوراء، على كتفيه تعبُ السنين، وفي قلبه نافذةٌ مفتوحة على وطن. ارسم امرأة... من ياسمينٍ ونور، تفتح للصبح نافذةً، وتترك على مهد طفلها قبلةً ورائحة خبز. ارسم بيتًا... له بابٌ لا يُغلق في وجه العائدين، وعتبةٌ تعرف أسماء أهلها، وشجرةَ زيتونٍ تغرس جذورها عميقًا، كأنها تقول للأرض: أنا هنا... فلا ريح تقتلعني. ارسم طريقًا... يمضي إلى آخره دون حاجز، ودون يدٍ تفتّش في جيوب العابرين عن أحلامهم. ارسم وطنًا... لا كما ترسمه الخرائط، ولا كما يراه الغريب من نافذة الطائرة؛ ارسمه كما تراه أمٌّ تنتظر ابنها، وكما يحفظه شيخٌ في مفتاحٍ قديم، وكما يسكن في قلب طفل لم يولد بعد. ثم... ارسم الواقع. ارسم طفلًا كبر قبل أوانه، يبحث بين الركام عن لعبته... ارسم أمًّا تخبئ دمعتها كي لا يخاف صغيرها. ارسم رجلًا يحمل ما تبقى من بيته ويمضي... ارسم الرماد، لكن لا تمنحه آخر اللوحة. ضع بين حجرين زهرة. وفي يد الطفل قلمًا. وفي يد الرجل مفتاحًا. وعلى نافذة المرأة ضوءًا. ثم ارسم شجرةً تخرج من قلب الركام... دع جذورها تشق الصخر، ودع أغصانها تعلو... فليس للرماد أن يكون قدرًا. ارسم الحلم ولا تهرب من الواقع... ارسم الواقع ولا تدفن الحلم. ارسم المسافة بين ما نحن عليه وما نريد أن نكون... ثم ابدأ بمحو ما لا يشبه الإنسان: محو الخوف، محو القيد، محو الجدار الذي يقسم القلب عن القلب... وأعد الرسم. ارسم طفلًا يولد للغد لا للحرب. ارسم امرأةً تغني ولا تخبئ دمعتها. ارسم رجلًا يعود إلى بيته وفي يده خبزٌ وزهرة... ارسم وطنًا لا يحتاج أهله إلى مفتاحٍ كي يعودوا إليه. ارسم حريةً لا تُشبه الفوضى، وسلامًا لا يُشبه الاستسلام، وعدالةً لا تترك وراءها مظلومًا ينتظر. ثم... ضع القلم جانبًا. تأمل اللوحة... إن وجدتَ فيها شيئًا ناقصًا، فلا تبحث عنه في الألوان. ابحث عنه في الإنسان. وإن وجدتَ فيها نافذةً صغيرة يدخل منها الضوء... فلا تغلقها. اتركها مفتوحة. فربما كان الحلم الذي رسمناه ليس حلمًا... بل صورةُ الغد وهو في الطريق إلينا. ارسم صورة... فكلُّ واقعٍ جميل كان يومًا حلمًا تجرأ أحدهم أن يرسمه. د. عبد الرحيم جاموس 9/8/2026 م

disqus comments here