الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الخميس 22/1/2026 العدد 1518
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز بيغن السادات 22/1/2026
استراتيجية الشركات في “عصر الحروب”
بقلم: البروفيسور ليونيد سوركين
ملخص تنفيذي:
لقد أعاد “عصر الحروب” الذي نعيشه اليوم تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، وتغيرت معه استراتيجيات الشركات في قطاع التقنيات الصناعية المتقدمة. لم تعد افتراضات ما بعد الحرب الباردة بشأن حتمية العولمة قائمة، إذ أدى تجدد الاستبداد، والصراعات الإقليمية، والتفتت المالي، وضعف المؤسسات إلى تغيير بيئة عمل الشركات متعددة الجنسيات. تتجه الشركات العاملة في مجال التقنيات المدنية والعسكرية نحو الابتعاد عن العولمة القائمة على الكفاءة، والتوجه نحو المرونة، والتوافق السياسي، والاندماج مع أولويات الأمن القومي. تُظهر تجربة إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023 أن عدم الاستقرار الجيوسياسي يجب التعامل معه كخطر جوهري دائم على أعمال الشركة، لضمان استمراريتها وربحيتها على المدى الطويل.
يُشار اليوم إلى الواقع الجيوسياسي الذي برز في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين بـ”عصر الحروب”، أي الفترة التي وصلت فيها العولمة والنظام العالمي الليبرالي، اللذان وصفهما فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” عام 1992، إلى نهايتهما. وقد ساهمت عوامل عديدة في تقويض مفهوم فوكوياما، منها عودة الاستبداد والشمولية، وصعود الشعبوية والأصولية الدينية، وأزمة الديمقراطية الليبرالية، وتراجع نفوذ العديد من المؤسسات الدولية، واندلاع صراعات إقليمية متعددة. ومع تبيّن أن “نهاية التاريخ” فكرة سابقة لأوانها، قامت الشركات العاملة في مجال التقنيات الصناعية المتقدمة بمراجعة استراتيجياتها.
وتعود مفاهيم قديمة، تبدو بالية، طُوّرت في أوائل القرن العشرين، إلى الظهور مجدداً في الخطاب الجيوسياسي. من بين الأفكار القديمة العديدة التي تشهد انتعاشًا، مفهوم “الأفكار الشاملة” الذي روّج له سابقًا الجيوسياسي الألماني كارل هاوسهوفر، والذي أثّر عمله بشكل كبير على السياسة الخارجية النازية. يدعو أنصار هاوسهوفر المعاصرون إلى تقسيم العالم إلى عدة “مناطق شاملة”، تقود كل منها قوة عظمى، وتتمتع كل منها بالاكتفاء الذاتي الاقتصادي. يتمثل المثال الأمثل لهذا المفهوم في نظام متعدد الأقطاب لا تحكمه قوة واحدة، بل يتوزع على عدة “أقطاب جيوسياسية”، حيث تمتلك كل دولة كبيرة “مساحتها الطبيعية للحياة” – وهو مصطلح استعاره أدولف هتلر.
على الرغم من أن العالم، لا سيما بعد عام 2022، يقترب أكثر فأكثر من الصورة التي رسمها هاوسهوفر قبل قرن من الزمان، فإن تطوره النهائي -رغم أزمة العولمة- لن يتوافق مع رؤى هاوسهوفر أو أتباعه. من المرجح أن يؤدي عصرنا الحالي، الذي يتسم بالترابط الشبكي والتطور التكنولوجي والابتكار والنماذج العابرة للثقافات والمنافسة والتعاون، إلى سيناريوهات أكثر مرونة وبناءة. يتجاهل النموذج “الإقليمي الشامل” (“متعدد الأقطاب”) قضايا عابرة للحدود بالغة الأهمية (مثل أزمة المناخ والهجرة والأوبئة والأمن الرقمي). لن يكون بمقدور أي دولة أو “إقليم شامل” الاستجابة لهذه التحديات العالمية بشكل منفرد.
تُستخدم عدة مفاهيم مغلوطة لتبرير ظهور “عصر الحروب”. أولها ما يُسمى “تراجع أوروبا”. تُستخدم هذه الأطروحة كمبرر زائف لإلغاء العولمة، إذ تُشتت الانتباه عن الأسباب الحقيقية للتحديات الراهنة وتُخفي مصالح الجهات الفاعلة “المراجعة”، بينما تُشيطن النظام العالمي الليبرالي في كثير من الأحيان. تواجه أوروبا تحديات جسيمة، كشيخوخة السكان، والتحولات في مجال الطاقة، والاعتماد على الدفاع، وقضايا التكامل، والمنافسة من الدول الكبرى. إلا أن القارة لا تزال عملاقًا اقتصاديًا، وتتمتع بمؤسسات راسخة، وتتبوأ مكانة رائدة في مجال التنظيم البيئي وحقوق الإنسان، وتتمتع بديمقراطيات مستقرة، وتواصل الابتكار التكنولوجي والثقافي، وحققت تقدمًا ملحوظًا في الخدمات العامة وجودة الحياة.
ومن المفاهيم الخاطئة الأخرى مفهوم “الجنوب العالمي”، الذي يفتقر إلى التماسك الجغرافي، ويضم اقتصادات متنافرة، ويتجاهل التنوع السياسي، ويمحو الاختلافات الثقافية، ويخفي الصراعات والتنافسات، ويعتمد على ثنائيات استعمارية عفا عليها الزمن، ويبسط ديناميكيات القوة العالمية تبسيطًا مفرطًا. يقدم “الجنوب العالمي” أسطورة وحدة لا تمت للواقع بصلة. هذا المفهوم ليس خبيثًا فحسب، بل هو زيف صريح، إذ يُصوّر التراتبية العالمية تحت ستار “تضامن جديد”، ويحاول تبرير الخروج عن القواعد العالمية وتدمير المؤسسات العالمية. وكثيرًا ما يُستخدم كأداة دعائية في الحرب ضد النظام الليبرالي، دون أن يقدم أي بديل ملموس للعولمة.
قد يتساءل المرء لماذا يُعدّ مفهوم “الجنوب العالمي” مفهومًا زائفًا، بينما مفهوم “الغرب العالمي” ليس كذلك. ببساطة، يُمثّل “الغرب العالمي” فئة حضارية ومؤسسية وسياسية ذات تماسك حقيقي. ويشير إلى مجموعة من المجتمعات المترابطة تاريخيًا، والتي تشترك في تطور طويل ومُوثّق يشمل أسسًا فلسفية، ومؤسسات سياسية، وتنظيمًا اقتصاديًا، ومعايير اجتماعية، وتحالفات. وفي إعادة صياغة روايات هاوسهوفر الحالية، تُشكّل أطروحات “انحطاط أوروبا” (والغرب عمومًا)، فضلًا عن مفهوم “الجنوب العالمي”، غطاءً أيديولوجيًا يُخفي وراءه “عصر الحروب” الراهن.
إن الموجة الحالية من معاداة السامية ومعاداة إسرائيل ليست وليدة الصدفة، بل هي في الواقع عرضٌ بنيويٌّ لـ”عصر الحروب”. وهي تعكس انهيار المعايير العالمية وإضفاء الشرعية على الكراهية. لقد حدث تحوّلٌ مباشرٌ للعداء من الحداثة والغرب والعولمة نحو إسرائيل والشعب اليهودي. تُعدّ معاداة السامية ومعاداة إسرائيل بمثابة اختبارٍ حاسمٍ يكشف عن أولئك الذين يقودون العالم إلى “عصر الحروب”. إنّ أولئك الذين يُشيطنون إسرائيل والشعب اليهودي لا يسعون إلى العدالة، بل إلى عالمٍ جديدٍ تغيب فيه العدالة، عالمٌ لا توجد فيه قواعد ولا أيّ شعورٍ بالكرامة المشتركة. هذه الفكرة هي جوهر أيديولوجية القوى التي ترغب في إشعال “عصر الحروب”.
وقد وصف آدم توز، أحد أبرز المحللين المؤثرين في العمليات العالمية، الأسباب الاقتصادية والمالية لـ”عصر الحروب” وصفًا دقيقًا (انظر: آدم توز، الانهيار: كيف غيّر عقدٌ من الأزمات المالية العالم، 2018). يُشير إلى الأزمة المالية لعام 2008 باعتبارها نقطة تحول قضت على الثقة في العولمة والولايات المتحدة كركيزة اقتصادية. كما أدت إلى انعدام الثقة في المؤسسات الدولية، مما زاد من تفتت النظام العالمي. وقد أثبتت مؤسسات عالمية كصندوق النقد الدولي والأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وغيرها عجزها عن مواجهة تحديات كالصدمات المالية والأوبئة والتهديدات المناخية. ولعبت المواجهة الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين دورًا في ذلك أيضًا.
لم يعد التحدي النظامي الرئيسي في القرن الحادي والعشرين مجرد منافسة، بل صراع جوهري بين الرؤى العالمية يقترب أكثر فأكثر من المواجهة الجيوسياسية. ويُفاقم تحول الطاقة وأزمة المناخ من حالة عدم الاستقرار المتنامية. إضافةً إلى ذلك، تُضعف الديمقراطيات الليبرالية حول العالم بفعل التفاوت الداخلي والتشرذم السياسي وصعود الشعبوية، مما يجعل الغرب عرضةً للتحديات الاستبدادية الداخلية والأنظمة الاستبدادية الخارجية التي تزداد عدوانية.
بحسب توز، فإن التمويل عبر الأطلسي (أي النخب والمؤسسات ورؤوس الأموال المالية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي) ليس مسؤولاً بشكل مباشر عن “عصر الحروب”، ولكنه ساهم في تدمير الاستقرار العالمي، وتفاقم الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وتسليح التمويل نفسه، الذي أصبح جزءًا من الجغرافيا السياسية الجديدة. ويرى توز أن أزمة منطقة اليورو حلقةٌ محورية في سلسلة الأحداث التي أدت إلى “عصر الحروب”. ويصف مفهوم “العالم متعدد الأقطاب” بأنه ليس حلاً، بل عرضٌ من أعراض تفكك النظام العالمي، الذي يؤدي بدوره إلى تراجع العولمة، وتزايد التنافس الجيوسياسي، وظهور التفكير التكتلي الاقتصادي والاستراتيجي، ونشوب الصراعات في جميع أنحاء العالم.
ومن المهم التأكيد على أنه خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، تراجعت القيادة السياسية الأمريكية تدريجيًا عن دورها كقوة منفردة في فرض النظام العالمي، أحيانًا بفعل الضغوط الداخلية، وأحيانًا أخرى من خلال سياسات غير متسقة. هذا التحول حقيقي، ولكنه لا يمثل انسحابًا كاملاً بعد. لا تزال الولايات المتحدة مهيمنة عالميًا، لكنها أقل تدخلًا وأكثر انتقائية في ممارسة هذه الهيمنة.
لم تتخلَّ الشركات العالمية عن فكرة العولمة، بل تُحوِّلها إلى نموذج هجين جديد يُمكن تسميته “العولمة المُعدَّلة وفقًا للجيوسياسة”. لا تقوم استراتيجيتها على العزلة، بل على ازدواجية سلاسل التوريد، وتنويع الأسواق، والتحوّل الرقمي، وزيادة النفوذ السياسي. تشمل النماذج المحلية أو الإقليمية نموذج “الصين + 1″، أي نقل بعض الإنتاج من الصين إلى دول آسيوية أخرى مثل فيتنام والهند وماليزيا. أما نموذج “التوطين الصديق/التوطين الحليف”، وهو نقل الإنتاج إلى دول صديقة، فيُمكن ملاحظته في الولايات المتحدة التي تُزيد إنتاجها في المكسيك. كما نشهد أيضًا نموذج “التوطين القريب”، وهو نقل الإنتاج إلى أسواق أقرب إلى الأسواق الرئيسية، على سبيل المثال، الشركات الأوروبية التي تنقل مصانعها إلى أوروبا الشرقية أو شمال إفريقيا.
من المفيد التركيز على الشركات العاملة في مجال التقنيات الصناعية المتقدمة، والتي تشمل جنرال إلكتريك، وهانيويل، وإيمرسون إلكتريك، وشنايدر إلكتريك، وسيمنز، ويوكوجاوا إلكتريك، وإيه بي بي. لماذا هذه الشركات تحديدًا؟ لم تكن هذه الشركات بأي حال من الأحوال أكبر المستثمرين في الدول التي ساهمت في تغيير مسار التاريخ، مثل الصين وروسيا وتركيا، على سبيل المثال لا الحصر. السبب الأول هو أن هذه الشركات في طليعة التحول الصناعي الحالي، من الأتمتة والرقمنة إلى تقنيات الدفاع وحلول الطاقة. ثانيًا، تقع هذه الشركات عند ملتقى القطاعين المدني والعسكري. ففي “عصر الحروب”، تتلاشى الحدود بين التقنيات المدنية والعسكرية. وتشارك هذه الشركات بشكل مباشر في سلاسل الإمداد الدفاعية، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الحيوية، والأهم من ذلك، تحسين كفاءة الإنتاج والاقتصاد العام للدولة المضيفة.
تشمل القضايا التي تُقوّض الثقة في علاقات العولمة سرقة الملكية الفكرية، وتحويل التقنيات والمنتجات، واستخدامها النهائي بما يتعارض مع الأمن القومي و/أو مصالح السياسة الخارجية. سابقًا، كانت استراتيجية شركات التكنولوجيا الصناعية المتقدمة تقوم على الكفاءة، وخفض التكاليف، والتحسين العالمي. أما اليوم، فتُعدّ الاستدامة، والسيطرة، والولاء السياسي، والتفوق التكنولوجي من أهم الأولويات. ولا يُعدّ هذا التحوّل في الاستراتيجية رد فعل على السوق، بل استجابةً لتحوّل النموذج العالمي من العولمة إلى المواجهة. في أوقات السلم، تميل الشركات إلى المخاطرة لزيادة أرباحها: كإرسال الإنتاج منخفض التكلفة إلى الصين، وإرسال الإمدادات إلى المناطق غير المستقرة، والاستثمار في أصول ذات مخاطر سياسية. لكن في “عصر الحروب”، يُهيمن الخوف من الخسائر المالية والقانونية وتشويه السمعة على قرارات الشركات.
ولتوضيح ذلك، دعونا نقارن بين نهج شركتين رائدتين افتراضيتين في مجال التكنولوجيا الصناعية المتقدمة: الشركة (أ) (الولايات المتحدة) والشركة (ب) (الاتحاد الأوروبي). على الرغم من التشابه في الملامح التكنولوجية، إلا أن نهج الشركتين يختلف اختلافًا كبيرًا، مما يعكس اختلاف السياقات الوطنية، والثقافات المؤسسية، ودرجة الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية.
تركز الشركة (أ) على الدفاع والمصالح الوطنية، ما يعني أنها تتخذ خطوات فعّالة لتعزيز الدفاع والطيران والأمن السيبراني، فضلًا عن الاندماج في البرامج الاستراتيجية الأمريكية، بدءًا من البنتاغون وصولًا إلى ناسا. وهي تدعم سياسة واشنطن في تعزيز العلاقات مع الدول الصديقة وفك الارتباط مع الصين، وتلعب دورًا محوريًا في توطين التقنيات الحيوية في الولايات المتحدة والدول الحليفة. تعمل الشركة (أ) كشركة مملوكة للدولة ضمن إطار السياسة الصناعية الأمريكية، وتنسحب سريعًا من الدول “غير الصديقة” للولايات المتحدة والغرب عمومًا، على الرغم من اعتبار تلك الدول واعدة من حيث تنمية الأعمال (“مناطق النمو المرتفع”) في العقود الأخيرة.
أما الشركة (ب) فتسعى إلى تحقيق توازن بين العولمة والتكيف الحذر. تاريخيًا، كانت أكثر اندماجًا في الأسواق العالمية، ولا سيما الصين. بعد عام 2022، بدأت إعادة توجيه مدروسة مع تجنب أي إجراءات جذرية. ينصب تركيزها على البنية التحتية والطاقة والتحول الرقمي، أي الجانب المدني من السياسة الصناعية. وتحافظ على أعمالها في الصين ومناطق أخرى تُعتبر عالية المخاطر، وتسعى جاهدةً للحد من التسييس.
بينما تُعدّ الشركة (أ) مثالاً على شركة تُعزّز سيادتها الوطنية وقدراتها الدفاعية، تُعدّ الشركة (ب) مثالاً على شركة تسعى للحفاظ على حضورها العالمي وتجنّب قطع العلاقات مع التكيّف بحذر مع العصر الجديد. والسؤال المطروح: أيّ الاستراتيجيتين أنسب في “عصر الحروب”؟
تُعدّ الاستراتيجيات التي تتبنّاها الشركة (أ) أنسب من حيث البقاء وتعزيز مكانتها في مواجهة التسلّح والصراع طويل الأمد بين الشرق والغرب. أما استراتيجيات الشركة (ب) فتنطوي على مخاطر أكبر، ولكنها قد تُؤتي ثمارها في سياق خفض التصعيد والحفاظ على الترابط العالمي.
يُمثّل تغيّر أهمية وظائف الشركات في “عصر الحروب” جانباً أساسياً من جوانب التحوّل في عالم الأعمال. فما كان يُعتبر سابقاً وظائف مساعدة أو “وظائف إدارية” يتبوّأ الآن مكانةً بارزة، بينما بدأت بعض الوظائف “الأكثر جاذبية” في عصر العولمة تفقد أهميتها. أصبح المحامون ومسؤولو العلاقات الحكومية أعضاءً أساسيين في الإدارة العليا، إذ يتحملون مسؤولية الامتثال للعقوبات والحصول على التراخيص والتصاريح والإعانات. وتعكس الأهمية المتزايدة لهذه الأدوار الحاجة إلى إدارة المخاطر بذكاء والقدرة على فهم قوانين الامتثال على المستويات الوطنية والفيدرالية والولائية والمحلية. كما تبرز تحديات تحديد السياسات الأحادية أو الاتفاقيات متعددة الأطراف التي لها الأولوية في العلاقات متعددة الدول؛ وفوائد ضمانات “الاستخدام النهائي”؛ ومخاطر عدم فهم التعريف القانوني لـ”المنشأ” فيما يتعلق بالتكنولوجيا عند إبرام اتفاقيات الإنتاج أو التطوير المشترك لمنتجات أو تقنيات جديدة.
أصبحت سلسلة التوريد محور استراتيجية الأعمال؛ فلم تعد مجرد شأن إداري. ولم تعد بنى الأمن وتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني مجرد “خدمة” بل أصبحت درعًا للشركة. وتراجعت أهمية التسويق العالمي والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية، بينما برزت وظائف إدارة المخاطر والاستدامة والعلاقات الحكومية والأمن بشكل متزايد. في هذا السياق، تتصرف الشركات كدول مصغرة: يتحول المديرون إلى استراتيجيين، والمحامون إلى خبراء في الشؤون الجيوسياسية، وخبراء اللوجستيات إلى منسقين عسكريين. لم يعد دور الامتثال لقوانين التصدير في الشركات مقتصراً على مكتب قانوني أو قسم إداري، بل تطور ليصبح وظيفة أمنية استراتيجية، قائمة على الفكر، وشاملة لجميع أقسام الشركة.
أما التقنيات الأكثر حساسية خلال “عصر الحروب” فهي: أشباه الموصلات والإلكترونيات الدقيقة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، وتقنيات الكم (الحوسبة، وتوزيع المفاتيح، وأجهزة الاستشعار)، وتقنيات الحرب السيبرانية والمعلوماتية، وتقنيات الفضاء والأقمار الصناعية، والمواد المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الحيوية، والأنظمة المستقلة وغير المأهولة، والتقنيات فائقة السرعة، والبنية التحتية الحيوية، وتقنيات الطاقة وأمنها، وتقنيات المياه النظيفة والتكنولوجيا الزراعية.
تعتمد الحرب الحديثة بشكل كبير على الطاقة، أكثر بكثير من أي عصر سابق. يعتمد النجاح في ساحة المعركة والقدرة على استدامة الصراع على كمية الطاقة المتاحة، وأمن سلاسل إمداد الطاقة، وجودة تكنولوجيا الطاقة (الكفاءة، والمرونة، والابتكار)، والسيطرة على أسواق الطاقة العالمية ونقاط الاختناق. ولذلك، يجب أن تشكل جوانب الطاقة جزءًا أساسيًا من استراتيجية أي شركة في “عصر الحروب”. وقد أصبحت تكنولوجيا المياه النظيفة والتكنولوجيا الزراعية مكونات بالغة الأهمية، لأنه في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الحروب تُحسم بالأسلحة وحدها، بل بالموارد، والمرونة، والقدرة على دعم الحياة المدنية في ظل الضغوط.
وتزداد حساسية التقنيات الصناعية المتقدمة لـ”عصر الحروب” الحديث. ورغم أنها تُعتبر غالبًا ذات طبيعة مدنية أو تجارية، فقد أصبحت هذه التقنيات محورية في المنافسة الاستراتيجية، وإنتاج الدفاع، والمرونة الوطنية. وينبغي أن يركز استعداد الشركات متعددة الجنسيات في “عصر الحروب” على المجالات التالية: استخبارات المخاطر الجيوسياسية وتخطيط السيناريوهات؛ مرونة سلاسل الإمداد وتنويعها؛ الأمن السيبراني وتعزيز البنية التحتية الرقمية؛ العقوبات والامتثال والتوافق مع الأنظمة؛ المرونة المالية وإدارة السيولة. لن يقتصر الاستعداد على البقاء على قيد الحياة في “عصر الحروب” فحسب، بل سيشمل أيضاً الحفاظ على الربحية.
من الجدير بالذكر استراتيجية الشركات من دول لا تنحاز كلياً إلى القوى المؤثرة على النظام العالمي، كالهند وكوريا الجنوبية ودول الخليج. تتحول هذه الدول إلى مراكز تكنولوجية، بينما تمارس في الوقت نفسه لعبة توازن في ساحاتها الجيوسياسية. وتتمثل السمات الأساسية لاستراتيجيات هذه الشركات في الحياد المرن، واقتناص الفرص، وأنظمة التكنولوجيا المزدوجة، والتحوط في سلاسل التوريد، والتمويل المقاوم للعقوبات، والتركيز على التعاون بين دول الجنوب، والاستثمار في الدفاع والأمن السيبراني، وأمن الطاقة والموارد، والبراغماتية في التحول الأخضر. في “عصر الحروب”، يتمثل الهدف النهائي لهذه الدول في الاستفادة من التشرذم العالمي مع تجنب الانحياز المباشر في صراعات القوى العظمى.
كيف يمكن لتجربة قطاع الأعمال الإسرائيلي بعد كارثة 7 أكتوبر 2023 أن تساعد الشركات متعددة الجنسيات في تطوير استراتيجياتها في “عصر الحروب” الحديث؟
إن الأحداث التي عصفت بإسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023 – من أعداد هائلة من جنود الاحتياط المُجندين، واضطرابات سلاسل التوريد، وصدمة التجارة العالمية، وتقلبات السمعة – تُظهر أنه لم يعد من الآمن اعتبار الحرب حدثًا استثنائيًا نادرًا. بالنسبة للعديد من الشركات، قد يؤثر الصراع على عملياتها عاجلًا أم آجلًا. تُعدّ الحالة الإسرائيلية تجربةً صعبةً وواقعيةً في المرونة والقدرة على التكيف وإدارة الأزمات الاستراتيجية.
بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، فإن العبرة الأساسية بسيطة ولكنها عميقة: يجب التعامل مع عدم الاستقرار الجيوسياسي باعتباره خطرًا جوهريًا على الأعمال، وليس حدثًا استثنائيًا. وهذا يعني دمج المرونة والقدرة على التكيف والوعي الأخلاقي بأصحاب المصلحة في الاستراتيجية طويلة الأجل. المرونة تعني التخطيط لسيناريوهات قد تحدث فيها تعبئة، واضطرابات في سلاسل التوريد، وهجمات إلكترونية، ونزوح جماعي. القدرة على التكيف تعني امتلاك قدرات توريد مزدوجة، وإنتاج وعمليات متنوعة جغرافيًا، والقدرة على تغيير العمليات بسرعة. إنّ الوعي الأخلاقي بأصحاب المصلحة يعني الموازنة الدقيقة بين المكاسب قصيرة الأجل والتبعات طويلة الأجل على العلامة التجارية والقانون والأخلاق.
متى نتوقع نهاية “عصر الحروب” الحديث؟ عندما طُرح هذا السؤال على Chat GPT، أجاب بصراحة: “لا أحد يعلم على وجه اليقين متى (أو حتى إن كان) سيعود العالم إلى نمط العولمة الذي كان سائداً قبل عام 2020”.
*نائب رئيس شركة هانيويل الدولية وأستاذ في العلوم الهندسية
------------------------------------------
هآرتس/ ذي ماركر 22/1/2026
ارتفاع قيمة الشيكل نتيجة موقع اسرائيل الرائد في مجال الذكاء الصناعي
بقلم: ميراف ارلوزوروف
لم تخمد نشوة ارتفاع قيمة الشيكل الاسرائيلي. ففي الشهرين الاخيرين ارتفع الشيكل مقابل الدولار ووصل الى 3.15 شيكل للدولار، وهو ثاني اعلى مستوى له في السنوات الـ 25 الاخيرة. كان الرقم القياسي السابق هو 3.1 شيكل للدولار، وقد سجل في نهاية العام 2021، في ذروة التفاؤل الذي رافق تعافي اسرائيل من جائحة الكورونا. وبالنظر الى الواقع وعند حساب قيمة الشيكل بحسب اسعار 2015 فانه يتبين حاليا انه في اعلى مستوى له منذ العام 2000.
الشيكل لم يصل الى هذه القوة منذ 25 سنة، وخلافا للرقم القياسي الاسمي الذي سجل في ضوء نجاح اسرائيل في مواجهة الكورونا، فقد سجل الرقم القياسي الحالي في الوقت الذي ما تزال فيه الدولة تعاني من اطول حرب في تاريخها، وتواجه خطر هجوم آخر لايران في أي وقت، وتخوض سنة انتخابات حافلة بالانقسام والاستقطاب. لماذا هذا الفرح الكبير؟.
يمكن ان نكون على ثقة بانه لا يوجد لاي واحد جواب على هذا السؤال. والحقيقة المرة هي ان أي خبير من خبراء الاقتصاد لم يتوقع هذا الارتفاع المفاجيء لقيمة الشيكل. ولكن بعد حدوث ذلك اصبح افضل الخبراء قادرين على تفسيره. في الواقع تشير تقديرات الكثير من الهيئات الاقتصادية المهمة في اسرائيل الى ان هذا الارتفاع سيستمر، أي ان قوة الشيكل ليست ظاهرة مضاربة عابرة، بل هي نتيجة عمليات ايجابية عميقة يمر بها الاقتصاد الاسرائيلي.
تحالف السيلكون
هذا خليط من العمليات المالية والواقعية. فاسرائيل هي دولة غنية ماليا، اذ يبلغ احتياطي العملة الاجنبية فيها 230 مليار دولار. وفي 2025 عند ازدهار اسواق راس المال العالمية بنسبة 15 في المئة بالمتوسط نما رأس المالي في اسرائيل بنحو بـ 30 مليار دولار. هذا بحد ذاته سبب وجيه لارتفاع قيمة الشيكل.
لكن الاكثر اهمية هو اعادة تقييم مرونة الاقتصاد في اسرائيل في ظل ثورة الذكاء الصناعي. فالمخاوف الجدية التي رافقتنا في السنتين الاخيرتين، ان قطاع الهايتيك في اسرائيل قد فوت فرصة اللحاق بركب الذكاء الصناعي، وان الذكاء الصناعي يتطلب استثمارات عامة ضخمة، وهو المجال الذي تعاني فيه اسرائيل من وضع غير مناسب نسبيا، بدأت المخاوف تتلاشى بالتدريج وحل مكانها التفاؤل الحذر، وربما لم يعد حذر، بشان وجود اسرائيل في مكانة رائدة في مجال الذكاء الصناعي.
ان تجنيد رؤوس الاموال لشركات التكنولوجيا المتقدمة بلغ ارقام قياسية، وهذا امر ايجابي، لا سيما مع وجود صفقة واحدة، صفقة الـ “ويز” بمبلغ 32 مليار دولار. ولكن حتى بدون الصفقات الضخمة فانها كانت سنة جيدة نسبيا في جمع التمويل، وتضاف هذه الاحجام المذهلة من التمويل الى الاستثمار الكبير الذي قامت به شركة “ان. فيديا” العملاقة في مجال تصنيع الرقائق في اسرائيل، واختيار الولايات المتحدة لاسرائيل ضمن “تحالف وادي السيلكون” (باكس سليسا).
هذا تحالف لعشر دول رائدة وهو يهدف الى تطوير المعرفة والانتاج في مجال الذكاء الصناعي، الامر الذي يضمن بقاء ريادة هذا المجال بيد الغرب وعدم انتقاله الى الصين. ايضا يشير انضمام اسرائيل لتحالف وادي السيلكون الى تعزيز مكانتها في واشنطن – اذ فرضت ادارة بايدن مقاطعة لرقائقها – لا سيما تعزيز موقعها التكنولوجي في مجال الذكاء الصناعي.
بكلمات اخرى، يزداد الامل بان العالم يشاهد موجة نمو مدفوعة بالذكاء الصناعي، وان اسرائيل مثلما هي الحال في مجال الامن السيبراني، على وشك الاستفادة من هذه الموجة.
خبير اقتصاد بارز في القدس قال: “ما زال النظام البيئي في اسرائيل يدهشنا بشكل ايجابي. فهناك تكنولوجيا متقدمة مدهشة، ويحافظ على مكانتها الرائدة، الامر الذي يبعث على التفاؤل”. وقد دفع هذا التفاؤل بنك اسرائيل الى رفع توقعاته للنمو في 2026 و2027 الى 5.2 في المئة و4.3 في المئة على التوالي.
كيف يتم التعافي من “المرض الهولندي”
يمتد تفاؤل الخبراء الى قضية اخرى وهي الربحية الكبيرة للبنوك. هذه ربحية كبيرة، لكن لا يمكن تجاهل ان جزء كبير منها ينبع من عمليات رفع الكفاءة المذهلة التي خضعت لها البنوك، حيث حولت جزء كبير من نشاطاتها الى نشاطات تكنولوجية. ويقول الخبراء في القدس: “هناك هجرة متزايدة للمختصين في التكنولوجيا الى مجالات لا تعتبر جوهرية في التكنولوجيا المتقدمة مثل البنوك، الامر الذي يؤدي الى موجة من زيادة الانتاجية في الاقتصاد”.
يمكن ملاحظة انعكاس محرج ما للاتجاه السائد في هذه التصريحات: اذ بات الخبراء ينساقون وراء التفاؤل المستحدث في سوق الصرف الاجنبي، بدلا من ان يكونوا هم من يسبقون السوق المالية بتوقعاتهم.
ويلاحظ ايضا عدم وجود مدى صحة هذا التفاؤل. فقبل سنة ساد جو من التشاؤم حيال كل ما يتعلق بالريادة الاسرائيلية في مجال الذكاء الصناعي، وكل ما يتعلق بالاثار الوخيمة للحرب والانقلاب النظامي على الاقتصاد.
بشكل عام توجد ايضا جوانب سلبية مقلقة لارتفاع قيمة الشيكل مثل “المرض الهولندي” – حالة يؤدي فيها قطاع تصدير واحد الى تعزيز قيمة العملة، في حين تضررت قطاعات تصدير اخرى تفقد القدرة على المنافسة، الامر الذي ينتج عنه ازمة بطالة.
مع ذلك، حتى فيما يتعلق بـ “المرض الهولندي” فان خبراء الاقتصادي الكلي متفائلون حاليا: اذ تمثل التكنولوجيا المتقدمة 65 في المئة من صادرات اسرائيل، وتتمتع هذه التكنولوجيا بقدرة تنافسية كافية حتى مع سعر صرف الشيكل الذي يقترب من 3 شيكل للدولار. بكلمات اخرى، اسرائيل لا تمتلك قطاعات تصدير اضافية كثيرة، اقل كفاءة، يمكن ان تتضرر من ارتفاع قيمة الشيكل.
ويتجلى “المرض الهولندي” في اسرائيل بشكل رئيسي في نقص العمالة الماهرة وارتفاع اجور العاملين في مجال الهايتيك. وقد تعاملت اسرائيل مع هذه الازمة لسنوات كثيرة بنجاح نسبي. حيث ساهم برنامج دراسة خمس وحدات في الرياضيات، اضافة الى الحوافز الكبيرة للجامعات، في زيادة عدد خريجي علوم الحاسوب والهندسة في سوق العمل بشكل واضح. وفي نفس الوقت نجحت شركات الهايتيك في انشاء مراكز تطوير في اوروبا الشرقية والشرق الاقصى، متجاوزة بذلك نقص الكفاءات الاسرائيلية.
مع ذلك، تدفع قطاعات الاقتصاد الاخرى ثمنا باهظا: فالى جانب البنوك القادرة على منافسة شركات الهايتيك على اجور العاملين في هذا المجال، هناك قطاعات صناعية كاملة عاجزة عن دفع هذه الاجور، الامر الذي يؤدي الى تخلفها التكنولوجي بشكل كبير.
لا توجد طريقة للتغلب على هذا الوضع الا من خلال زيادة عدد العاملين في مجال التكنولوجيا في الاقتصاد، من المصادر التي لم تستنفد بعد، مثل السكان الحريديين، وبالاساس السكان العرب. مع ذلك، كما هو معروف تعيد الحكومة الحالية الشباب الحريديين الى المدارس الدينية، وتم وقف الميزانيات المخصصة لتعزيز التعليم في الوسط العربي، ايضا التحريض المستمر ضد المجتمع العربي يصعب على دمج المتخصصين العرب في مجال التكنولوجيا في شركات الهايتيك الاسرائيلية.
بكلمات اخرى، يبقى العبء على الاقتصاد الاسرائيلي على حاله. زيادة كبيرة في ميزانية الدفاع في العقد القادم على حساب الميزانيات المشجعة للنمو، وفقدان تقريبا 1 في المئة من القوة العاملة نتيجة الوفيات والاصابة في الحرب، واستمرار الخوف بشان مكانة اسرائيل الدولة وجذب الاستثمارات الاجنبية اليها، والقلق المتزايد بشان هجرة الادمغة من اسرائيل، وبالطبع سياسة مدمرة في كل ما يتعلق بدمج المجتمع الحريدي والمجتمع العربي في الاقتصاد بشكل عام، وفي قطاع الهايتيك بشكل خاص. لم يساهم سعر صرف الدولار عند 3.15 شيكل في حل أي مشكلة من هذه المشكلات.
مع ذلك، لا شك ان سعر صرف الدولار قد بث في نفوس الجميع تفاؤل اكبر بشان مستقبل الاقتصاد هنا، بما في ذلك ترجيح استمرار قوة الشيكل لفترة طويلة.
-------------------------------------------
هآرتس 22/1/2026
وقف اطلاق النار؟ هذه الشائعة لم تصل الى سكان غزة
بقلم: ميخائيل سفارد
قبل بضعة ايام سمعت مقدم نشرة الاخبار الرئيسية في قناة تلفزيونية وهو يقول بانه بعد سنتين من الحرب اسرائيل اخيرا تعود الى روتين الحياة. كانت هذه مقدمة تقرير عن من يخدمون في الاحتياط وعائلاتهم “الذين بالنسبة لهم الحرب لم تنته”. هاتان الجملتان تشيران الى ان هناك تناقض بين “الروتين” الذي اخيرا تعود اليه اسرائيل، وبين “الحرب” التي لم تعد موجودة، ولكنها بالنسبة لرجال الاحتياط لم تنته حقا. هذا النص المبتذل يثير اسئلة عميقة مثل ما هي الحرب؟ هل حقا انتهت؟ بالنسبة لمن؟.
لقد مرت ثلاثة اشهر منذ تم الاعلان عن وقف اطلاق النار، وآخر المخطوفين الاحياء اعيد والجيش الاسرائيلي انسحب الى الخط الاصفر. ولكن يتبين ان كلمة “وقف” في تعبير “وقف النار”، رغم انه يشير الى قطع حاد وواضح، فانه بالفعل مفهوم مرن ونسبي. في ظل “الوقف” للنار قتل حتى الان في القطاع اكثر من 460 شخص واصيب حوالي 1200 شخص (حسب بيانات وزارة الصحة في غزة)، وكل ذلك بالنار المتوقفة كما يبدو للجيش الاسرائيلي. في المقابل، اسرائيل استكملت تدمير النصف الشرقي من القطاع بتدمير ممنهج لكل المباني فيه. معبر رفح لم يفتح بعد، واعادة تاهيل الـ 33 مستشفى من بين الـ 36 مستشفى الموجودة في غزة والتي تضررت في السنتين الاخيرتين، لم يبدأ بعد، واكثر من 2 مليون شخص من سكان القطاع ما زالوا يعيشون في عوز شديد، الكثيرون منهم في خيام لا تستطيع الصمود امام امطار ورياح الشتاء.
ما هو الامر بالضبط اذا؟ وقف لاطلاق النار أو استمرار للحرب؟ في الوقت الذي لم تصل فيه لمئات القتلى الفلسطينيين وابناء عائلاتهم الشائعة عن وقف اطلاق النار، والـ 2 مليون فلسطيني في غزة، فان الحصار والنقص هي تجربة حربية متواصلة، فانه بالنسبة لكثير من الاسرائيليين منذ اللحظة التي اعيد فيها المخطوفين الاحياء، توقفت مظاهرات السبت في ميدان المخطوفين وميدان بيغن وانتهت التجربة الحربية. ربما اذا هذه لم تعد هذه حرب “بين”، بل حرب “ضد”، لكنها ما زالت حرب. من هنا فان محرري نشرات الاخبار الذين صاغوا النص الذي بحسبه اسرائيل عادت الى الروتين بعد الحرب، لم يتعمقوا بما فيه الكفاية في واقع القطاع أو في معنى كلمة “حرب”. لان هناك نوعان مختلفان في الحروب. ولكن عندما نفحص نشاطات اسرائيل العسكرية فانه لا يمكن تجنب التوصل الى استنتاج بان الروتين لم يحل محل الحرب، بل الحرب اصبحت روتين. منذ اللحظة التي عاد فيها المخطوفون الاحياء فان ما بقي من اهتمام الاسرائيليين بغزة تلاشى (باستثناء الذين يسيل لعابهم على الضم، الطرد والاستيطان)، والحرب تغلغلت داخل روحنا وتقلصت الى نوع من الطنين الثابت الذي يتعودون عليه الى ان يتوقفوا عن سماعه.
الحرب التي هي ليست فقط القصف في غزة ومحاصرتها، بل ايضا قتل الفلسطينيين في الضفة الغربية والتطهير العرقي والتهجير القسري لتجمعات فقيرة في غور الاردن وفي جنوب جبل الخليل، والاقتحامات العنيفة للمستوطنين بالزي العسكري أو المدني أو نص نص للقرويون الموجودين في اطراف الضفة ومصادرة ممتلكاتهم الضئيلة. كل ذلك هو الآن روتين اسرائيلي. روتين من التفوق اليهودي، روتين من القمع والاهانة، روتين من حرب ضد كل ما هو فلسطيني.
الروتين كما هو معروف ليس اخبار. الروتين يبعث على الملل. في يوم الاحد الماضي مثلا، قتل ثلاثة غزيين بنار الجيش الاسرائيلي في القطاع. وفي المساء السابق في منتهى السبت قتل شاكر فلاح جعبري (58 سنة) بنار الجنود في الخليل. في يوم الخميس قتل حسب وكالة انباء “السوشييدت بريس” تسعة اشخاص، بينهم ثلاث نساء، في قصف اسرائيلي في دير البلح. تقريبا في كل ايام الاسبوع يقتحم المستوطنون تجمعات فلسطينية ضعيفة وصغيرة في مناطق مختلفة في الضفة الغربية، وفي غزة آلاف المرضى والمصابين يواصلون المعاناة وحتى الموت بسبب منع العلاج الطبي الذي ينبع من سياسة اسرائيل. كل ذلك هو امثلة على الروتين، روتين، روتين، روتين. الاخبار تنشغل بما هو جديد، وهذه ليست جديدة. المخطوفون الاحياء عادوا. ترامب اعلن بان السلام قد حل، يمكن ان نتصفح ونرى. ليس هناك ما نراه، يمكنكم الانصراف.
هذه هي المرحلة النهائية وربما الحاسمة، من تدهور المجتمع الانساني وتحوله الى مجتمع يسوده الظلام واللاانسانية. عندما تصبح الفظائع التي نرتكبها امر عادي الى درجة انها تختفي تماما من وعينا، لان ضحاياها هم نفس الكيان عديم الحجم والوزن الانساني الذي يسمى “فلسطينيون”، فان هذه علامة على اننا وصلنا الى هذه المرحلة.
في المجتمع الاخلاقي فان قتل الناس، خاصة المشتبه ببراءتهم، يعتبر حدث كبير جدا. في هذا المجتمع يشكل أي قتل كهذا ضجة لا يمكن تجاهلها، ويلزم الراي العام بالانتباه اليه. أما في مجتمعنا فان قتل الفلسطينيين ومعاناتهم وصوتهم، تتم تصفيتها بواسطة آلية عنصرية لالغاء الضجة، التي تحولت الى شبه معيار اسرائيلي، ثم يتم رميها في غياهب النسيان. ولكن حتى في بحر الجرائم هناك امواج تتلاطم على الشاطيء ومد وجزر وجثث تطفو وتنجرف الى الشاطيء. ان جرائم السنتين الاخيرتين لن تبقى في اعماق المياه، منسية لمجرد ان الروتين عاد الى حياة الكثير من الاسرائيليين، وان العالم برئاسة ترامب قد اصيب بالجنون ولم يعد يطالب اسرائيل بأي محاسبة على افعالها. الظلم لا يختفي من تلقاء نفسه، بل هو يبقى في الهواء كتلوث ويسمم الواقع الى ان يتم الاعتراف به، والى ان يتم تفعيل آلية العدالة من اجل القضاء عليه.
كلما واصلنا اقناع انفسنا بان الحرب قد انتهت وان الحياة عادت الى طبيعتها، وكلما واصلنا تجاهل الملايين الذين دمرنا حياتهم، وكلما واصلنا تدمير ما تبقى، فان تعافينا يصبح اكثر صعوبة وربما مستحيل. عندها ستثبت صحة مقولة فرقة الحمى القلاعية “هنا تنتهي قصتنا”.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 22/1/2026،
يمكن أن نضع هدف “سوريا أولا” في مقدمة الفعل السياسي لإسرائيل
بقلم: تساحي هنغبي
في مركز جدول الاعمال السياسي والأمني عندنا تقف تطورات هامة في ساحتين: في غزة، انطلقت على الدرب المرحلة الثانية من خطة الـ 20 نقطة التي بادر اليها الرئيس الأمريكي؛ في ايران انطلقت على الدرب مرحلة الانتظار التي تتميز بانعدام اليقين حول مستقبل الاحتجاج وسياسة الرئيس ترامب.
في هاتين الساحتين قدرة إسرائيل على تصميم الاحداث محدودة. وعليه فاني اقترح المبادرة الى خطوة سياسية في ساحة أخرى، الساحة السورية لاجل الوصول بسرعة الى اتفاق امني شامل بين إسرائيل وسوريا.
الاتفاق السابق مع سوريا – “اتفاق فصل القوات” الذي وقع في العام 1974 بعد حرب يوم الغفران – صمد 50 سنة، اكثر من أي اتفاق آخر مع دولة عربية، رغم التحديات الكثيرة التي هددته. انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 جلب عمليا الاتفاق الى نهايته. الجيش الإسرائيلي بتوجيه من المستوى السياسي انطلق الى حملة سهم الباشان. عمل بسرعة وبتصميم وسيطر على مناطق مجاورة للحدود السورية مع هضبة الجولان بما في ذلك على تاج جبل الشيخ. بالتوازي، نفذت إسرائيل هجمات مكثفة في ارجاء سوريا لتدمير مخزونات سلاح ذات أهمية استراتيجية ومنع سقوطها في ايدي النظام اللجديد.
في اثناء الفترة التي انقضت منذئذ سعت إسرائيل لان تدفع قدما في الساحة الشمالية بهدفين سياسيين طموحين: الأول، استخدام اتفاق وقف النار الذي وقع في تشرين الثاني 2024 للدفع قدما بانضمام لبنان الى مسيرة التطبيع والسلام؛ وفي سوريا، لبلورة خطوة من مرحلتين بدايتها ترتيب الشروط الأمنية على الحدود المشتركة وتواصلها في انضمام سوريا الى اتفاقات إبراهيم.
بلا دور امريكي نشط لا يمكن التقدم في هذين المحورين، وبالفعل عين الرئيس الأمريكي سفيره في تركيا توم براك كمبعوثه الشخصي لتحقيق هذه الرؤيا. وابدى السفير براك نشاطا ومبادرة وبذل جهدا جما، فيما عمل الوزير رون ديرمر معه بالتشاور في محاولة للمساعدة على تسوية الخلافات مع لبنان وسوريا على حد سواء. غير أن السطر الأخير في هذه المرحلة يدل على صورة معقدة. في لبنان، يتخذ الرئيس ميشيل عون صورة الزعيم الملتزم بمستقبل بلاده وليس بمصالح أجنبية، أساسا إيرانية، جلبت بلاده الى حافة الخراب. لكن رغم نيته الطيبة، فشل عون في محاولاته لتنفيذ البند المركزي في الاتفاق الموقع مع إسرائيل: نزع سلاح حزبه في كل ارجاء لبنان. ثمة لذلك أسباب عديدة، واساسه الضغط الشديد للجيش اللبناني وتخوف عون وحكومته من التدهور الى حرب أهلية. صحيح أن حزب الله تلقى ضربات قاسية في اثناء سنة القتال مع إسرائيل، والتعبير عن ذلك هو قراره الامتناع عن الرد على مئات الاغتيالات والهجمات القوية التي تنفذها ضده إسرائيل في اطار سياستها ان ترد بالنار على خروقات الاتفاق. ولا يزال التنظيم الشيعي بفضل تفوقه العسكري الواضح يردع خصومه من تنفيذ خطوات سياسية خارقة للطريق. والنتيجة هي انه لا يوجد أي تقدم عملي في الحوار الثلاثي بقيادة الولايات المتحدة على مسائل الخلاف في حدود إسرائيل – لبنان: إسرائيل توضح بان انتشارها في دفاع متقدم في جنوب لبنان لن يتغير طالما كان حزب الله يشكل تهديدا على سكان الشمال؛ والتصعيد في المواجهة يبدو الان اكثر واقعية من تحقيق التفاهمات.
بخلاف الجمود في لبنان، يبدو الاتجاه السوري في نظري واعدا اكثر. منذ زمن يجري حوار سياسي جارٍ بين إسرائيل والنظام الجديد في سوريا. نلت شرف المشاركة فيه وأخذت الانطباع بان المصالح المشتركة اكثر بكثير من المصالح التي تفرق بيننا. احمد الشرع، رئيس سوريا، ربط مصيره بلاده بالولايات المتحدة والغرب. في العالم العربي هو شريك للمحور السني المعتدل بقيادة السعودية. كراهية القيادة الحالية في سوريا تجاه ايران وحزب الله عميقة واصيلة. في الحوار الحميم الذي أجرته مع مسؤولين سوريين كبار اقتنعت بانه يمكن إيجاد حلول عملية لكل واحد من المباديء الهامة التي على إسرائيل أن تصر عليها. توجد ثلاثة كهذه: التزامنا بالدفاع عن أبناء الطائفة الدرزية الذين يعيشون قرب حدودنا مع سوريا؛ الحاجة لمنع تموضع قوات لدول معادية لإسرائيل في المجالات التي تهدد حرية عملنا في ساحات بعيدة؛ وضمان تجريد منطقة جنوب سوريا من السلاح كجزء من مفهوم الدفاع عن بلدات هضبة الجولان.
كجزء من مهمتي كرئيس هيئة الامن القومي، أجريت سلسلة لقاءات سرية في موضوع سوريا. تخوف إسرائيل الأساس هو أن تصبح سوريا دولة مرعية من آخرين على حدودنا الشمالية. ضمن أمور أخرى، على خلفية الخطاب الحماسي للرئيس التركي اردوغان، فان هذا التخوف ليس بلا أساس. ومع ذلك، فان السبيل الأكثر نجاعة لإحباط مثل هذا السيناريو هو تعظيم الربح المتوقع لسوريا من الارتباط بمبادرة الرئيس ترامب للسلام في الشرق الأوسط، ومن التعاون مع إسرائيل. لقد كانت هذه ولا تزال الاستراتيجية الامريكية، غير أن البيت الأبيض لم يطلب أي مقابل لقاء دعمه للنظام الجديد. لقد التقت ترامب مع الشرع بوساطة سعودية والغى العقوبات التي شلت اقتصاد سوريا. بغياب روافع أمريكية فان التحدي لايجاد نقطة توازن بين مصالح إسرائيل ومصالح سوريا بات أكثر صعوبة. صعب، لكن ممكن.
سوريا لا تطرح مسألة سيادة إسرائيل في هضبة الجولان في سياق التسويات الأمنية على الحدود، سواء لاعتبارات انه لا يوجد أي امل في ذلك، ام لان إدارة ترامب تؤيد هذه السيادة دون أي تحفظ. لكن في المفاوضات على تحديد تسويات امنية جديدة، معقول ان يطالب السوريون انسحابا إسرائيليا من المناطق الجديدة التي ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي للدفاع في نهاية 2024. الحل لهذه المسألة يمكن أن يستند الى العثور على نقطة التوازن الفضلى بين التواجد الإسرائيلي في الأراضي السورية، وبين التنفيذ الفعلي لخطوات تضمن المصالح الأمنية الحيوية لإسرائيل. عمل مصمم، مثابر وناجع لقوات النظام السوري للقضاء على نشاط ايران، حزب الله، حماس والجهاد الإسلامي في ارجاء سوريا، بالتوازي مع التجريد التام للمنطقة جنوبي دمشق ستزيد مجال المرونة لإسرائيل.
لقد حددت الحكومة احتفاظ الجيش بالمناطق المجاورة للحدود كخطوة مؤقتة تستهدف الحفاظ على مصالح امنية حيوية. اذا ما حفظت هذه المصالح، تفتح فرصة لاتفاقات إبداعية. في اتفاق السلام مع مصر أيضا أصرت إسرائيل على ان تنفيذ الانسحاب من شبه جزيرة سيناء يمتد على مدى ثلاث سنوات. في اثنائها طُلب من مصر ان تنفذ بنودا جوهرية في الاتفاق، مثل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل للسفراء. هذا نموذج اثبت نفسه ويمكن البحث فيه في اطار الحوار مع الولايات المتحدة وسوريا.
وختاما يمكن أن نضع هدف “سوريا أولا” في مقدمة الفعل السياسي لإسرائيل. للزمن توجد أهمية عليا. دخلنا الى سنة انتخابات، واعتبارات سياسية ستنال الزخم في سياق الطريق لتغطي على الاعتبارات الموضوعية. يمكن اغلاق ساحة مفتوحة، والنجاح في ذلك سيشكل رافعة إيجابية في الساحات الأخرى.
------------------------------------------
يديعوت 22/1/2026
ترامب يريد ان يذكر في التاريخ كالرئيس الذي عقد صفقة عقارات جيوسياسية
بقلم: د. كوبر بردا
في نظرة أولى تبدو خطوات دونالد ترامب الأخيرة كجملة من النزوات غير المرتبطة. غرينلند. فنزويلا. مواجهات مع الاتحاد الأوروبي. مشاركة عنيفة في الشرق الأوسط. وكله مغلق بتغريدات استفزازية وبلغة فظة. لكن اذا توقفنا للحظة ورفعنا مستوى النظر في محاولة للتذكير مثل ترامب، يتبين خط ربط واضح جدا. هذه ليست أيديولوجيا، هذه ليست دبلوماسية وهذه بالتأكيد ليست مجاملات دولية. هذا صراع على السيطرة على مقدر واحد فيحسم القرن الـ 21: الذكاء الاصطناعي.
نبدأ بالنقطة التي تبدو الأكثر ضعفا. غرينلند. لماذا يهدد الرئيس الأمريكي الدانمارك، احدى الحلفاء الأكثر قدما وراحة لواشنطن؟ دولة سمحت للولايات المتحدة ان تقيم قواعد عسكرية في الجزيرة، غضت النظر على مدى عقود واقترحت أوجه تعاون اقتصادي. الجواب البسيط هو ان ترامب لا يثق بأحد. الجواب الاعمق هو جيوسياسي.
ذوبان القطبين يفتح مسارات ابحار جديدة في الشمال. مسارات تقصر جدا الطريق بين اسيا وأوروبا. من يسيطر عليها، يسيطر على قسم هام من التجارة العالمية. ترامب مقتنع، وليس بلا سبب، بان روسيا والصين باتتا هناك. الدانمارك، من ناحيته، ببساطة غير قادر على الدفاع عن المصالح الامريكية. عندما يسخر من قدرة الدفاع لغرينلند ويتحدث عن زلاجتي كلاب للدفاع عن الجزيرة فانه لا يمزح. بل يطلق إشارة.
لكن هنا تأتي المرحلة التي تشرح لماذا لا يكتفي ترامب بالتهديدات. فحسب تقرير “رويترز” تنظر الإدارة الامريكية في عرض لان تدفع لكل واحد من الـ 56 الف من سكان غرينلد مبلغ نحو 100 الف دولار كحافز للانتقال الى الرعاية الامريكية. لا احتلال عسكري بل شراء سياسي. ترامب لا يحاول ا قناع كوبنهاجن، هو يقفز عنها مباشرة الى السكان المحليين، بالمنطق إياه لصفقة تاجر عقارات. المال الان، امن امريكي، والتاريخ بعد ذلك.
غرينلند ليست فقط مسارات ابحار. هي أيضا ثروة معادن نادرة، هذه المعادن التي هي عنصر حرج في انتاج الشرائح الذكية، مراكز الخدمات الالكترونية وشبكات الحوسبة المتطورة. بدون هذه المعادن لا وجود للذكاء الاصطناعي، وترامب يريد ان يذكر في التاريخ كالرئيس الذي عقد صفقة عقارات جيوسياسية بحجم شراء الاسكا. في 1867 اشترت الولايات المتحدة تحت رئاسة الرئيس جونسون الاسكا من روسيا بنحو 7.2 مليون دولار. سنتان تقريبا للدونم. يبدو هذا اليوم كفعل عبقري. ترامب يريد خطوة كهذه على اسمه، تذكر حتى بعد 150 سنة الى الامام وتنصبه في القصر الذهي لرؤساء الولايات المتحدة.
من هنا نواصل الى فنزويلا. مرة أخرى ظاهرا، موضوعا آخر تماما. اعتقال مادورو بدعوى تجارة المخدرات. عمليا، يدور الحديث عن النفط، الكثير من النفط. لفنزويلا يوجد نحو 303 مليار برميل مثبت. نحو 17 في المئة من الاحتياطات العالمية. اليوم نحو 90 في ا لمئة من النفط الفنزويلي مرهون فعليا للصين كجزء من تسديد ديون. ترامب يريد أن يقطع هذا الارتباط. ان يعيد هذا النفط الى اياد أمريكية.
وهنا بات هذا مشوقا حقا. اذا اضفنا الى ذلك إمكانية مستقبلية لسيطرة أمريكية على النط الإيراني، نحو 12 في المئة من الاحتياطات العالمية، فان الولايات المتحدة تقترب من وضع تسيطر فيه بالفعل سيطرة مباشرة او غير مباشرة على نحو 35 في المئة من النفط في العالم. هذا لا يحطم أوبك فقط. هذا يمنح الولايات المتحدة سلاحا استراتيجيا هائلا في سباق الطاقة. من ناحية ترامب، الشعب الإيراني هو ضرر جانبي في المسرح الذي يدخله النظام. يتطلع ترامب لان يكون النقيض للرئيس كارتر الذي على اسمه سجلت ثورة آيات الله ونقيض أوباما الذي سيخط في الذاكرة عبر اتفاقات النووي. يتطلع ترامب لان يذكر كمن اسقط النظام وتسلم أيضا الغنيمة في شكل صندوق النفط.
ولماذا هي الطاقة هامة بهذا القدر؟ لان الذكاء الاصطناعي لا يركض على أيديولوجيا بل على كهرباء. والكثير منه. مراكز المعطيات تستمد الطاقة بوتيرة تستصعب دول كاملة الإيفاء بها. مدير عام أنفيديا يحذر منذ الان بان فوارق البنى التحتية من شأنها أن تحسم ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين. بدون طاقة رخيصة، وافرة ومستقرة فان السباق الى الذكاء الاصطناعي سيعلق. يفهم ترامب هذا عبر منطقة البسيط: من يتحكم بالطاقة، يتحكم بالوتيرة.
ويشرح هذا أيضا دافعه لان ينتقل الى المرحلة التالية في إقامة مجلس السلام في غزة الذي هو بحد ذاته سحق لمؤسسة الأمم المتحدة. لدى ترامب يوجد دوما خيط مزدوج يمر في كل خطوة: جائزة وهدف. من جهة التمنيات بالدخول الى صفحات التاريخ، ومفضل مع جائزة نوبل للسلام في اليد. من جهة أخرى، استخدام السلام نفسه كأداة عمل في الصراع الأكبر حيال الصين، واساسا في السباق على الذكاء الاصطناعي. في نظره، الامران لا يتضاربان. بل يكملان الواحد الاخر. يريد أن يبدو كمن انهى نزاعا يعود الى 3 الاف سنة بين أبناء إبراهيم، إسماعيل واسحق – ليس لانه بالضرورة رجل المصالحة بل لان هذا انجاز يمكن تأطيره كمتعذر الى ان انتظر العالم وصول “الزعيم الأشقر الذي نجح في حل مشكلة غير قابلة للحل منذ الاف السنين.
لكن من تحت النصوص والعناوين، فان الهدف البارد هو تطبيع كامل بين إسرائيل والسعودية يحصل فقط بعد حل في غزة لاجل تحريك الـ IMEC. الممر الذي يربط بين آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط والذي يتجاوز الصين ويطرح بديلا لمبادرة الحزام والطريق. ممر يربط الطاقة، البنى التحتية والتجارة تحت رعاية أمريكية.
عندما نربط كل النقاط تنشأ صورة واضحة. ترامب لا يعمل عشوائيا. هو يعمل انطلاقا من ضغط الزمن. هو مقتنع بان السباق على السيطرة على الذكاء الاصطناعي سيحسم في السنوات القريبة القادمة. وفي اللحظة التي تصبح فيها فوارق الحوسبة خارج وظيفية، لن يكون بعد ما يحتاج الى الاغلاق. وعليه فهو مستعد لان يدفع اثمانا دبلوماسية باهظة، يقوض تحالفات ويهز المنظومة. هنا المفتاح لفهمه. لدى ترامب المصلحة الشخصية والمصلحة الاستراتيجية لا تصطدمان بل تتحدان. الإرث، النوبل، اسمه في صفحات التاريخ والصراع البارد حيال الصين على الطاقة، البنى التحتية والذكاء الاصطناعي هي كوجهين لعملة واحدة. يمكن التحفظ على الأسلوب ويمكن انتقاد الاثمان لكن من الصعب تجاهل المنطق. ترامب لا يحاول أن يكون محبوبا. هو يحاول في نفس الوقت ان ينتصر وان يذ كر في الزمن أيضا.
*باحث في التاريخ السياسي الأمريكي والجيواستراتيجي، الكلية متعددة المجالات – HIT حولون
------------------------------------------
إسرائيل اليوم 22/1/2026
شروط حماس: البقاء قوة سياسية وتلقي حصانة من التصفيات
بقلم: داني زاكن
طرحت حماس على الوسطاء وعلى السلطة الفلسطينية شروطا لتسليح السلاح من ايدي رجالها. وتقدر مصادر دبلوماسية بان حماس ستكون مستعدة لان تسلم سلاحها في غضون بضعة أشهر، لكن يتبين الان ان المطالب التي تطرحها بالمقابل لن تكون سهلة – للسلطة الفلسطينية أيضا، التي ترفضها صحيح حتى اليوم.
بين مطالب حماس: إبقاء موظفي حماس ممن يرغبون في أن يخدموا في الحكم الجديد في غزة، ضم مئات من افراد شرطتها الى القوة الفلسطينية التي يفترض أن تسيطر على القطاع، حفظ الحق في البقاء كحزب سياسي شرعي يمكنه أن يتنافس في الانتخابات في السلطة الفلسطينية وحماية او حصانة لكبار مسؤولي المنظمة من محاولات تصفية إسرائيل في القطاع وخارجه. كما تطالب حماس ان يبقى سلاح للدفاع عن مسؤولي المنظمة في القطاع لدى قوة صغيرة من رجالها – لمدى زمني طويل، الى أن يشعروا بأمان.
مع ذلك يتبين أن هذه الشروط لم تعرض بشكل رسمي وكامل كتعهد لحماس بل كاحدى الإمكانيات في المفاوضات، مثابة اقتراح جس نبض غير ملزم. وحسب تقديرات استخبارية تحوز حماس ومنظمات الإرهاب الأخرى عشرات الاف البنادق والمسدسات، مئات قاذفات الصواريخ المضادة للدبابات وقذائف هاون ولديهم أيضا عددا صغيرا من منصات اطلاق الصواريخ على مسافات قصيرة ومتوسطة. ويقول مصدر عربي مطلع على المفاوضات ان السلطة الفلسطينية غير مستعدة لهذه الشروط، لكن في حديث بين الوسطاء واساسا من جانب تركيا طرح الادعاء بانه “ينبغي التعاطي بجدية مع مخاوف مسؤولي حماس على سلامتهم الشخصية وابداء تفهم بانهم معنيون في أن يبقوا على قليل من السلاح كي يدافعوا عن انفسهم”. وبقدر ما هو معروف لم يعقب الامريكيون بعد على هذه المطالب، ومن المتوقع ان تستأنف الأسبوع القادم الاتصالات حول هذه المسألة بين الطاقم الأمريكي برئاسة ستيف ويتكوف وجارد كوشنير وبين خليل الحية الذي يدير الاتصالات عن حماس.
ويقول مصدر امني كبير ان مسألة حماس في غزة توجد مثابة فترة انتظار بسبب الوضع في ايران. وحسب هذا المصدر فانه اذا كانت بالفعل محاولة أمريكية لاسقاط النظام هناك او على الأقل اضعافة جدا، فسترتفع جدا الاحتمالات لنزع سلاح حماس.
ولدوا مع سلاح في اليد
تناول الرئيس الأمريكي ترامب في خطابه في دافوس مسألة نزع سلاح حماس وقال ضمن أمور أخرى: “اعتقد انه يوجد سلام في الشرق الأوسط باستثناء بضع “أوضاع” صغيرة مثل حماس. حماس وافقت على التخلي عن سلاحها، انتم تعرفون انهم ولدوا مع السلاح في اليد وهذا ليس سهلا عليهم. لكنهم وافقوا على هذا وملزمون ان يفعلوا هذا ونحن سنعرف اذا كانوا سيفعلون هذا في الأيام الثلاثة القادمة ربما في الاسابيع الثلاثة القادمة واذا لم يفعلوا هذا فانهم سيصفون بسرعة”.
لهذا القول أهمية كبيرة سواء في المدى الزمني الذي حدده ام لمجرد تحديد السلاح الذي لدى حماس كعائق للسلام. الحل لحالة الا تسلم حماس السلاح، يعرف ترامب مرة أخرى بكلمات حربية، لكن القصد هنا هو انه ستعطى لإسرائيل يدا حرة لان تفعل هذا بنفسها.
------------------------------------------
هآرتس 22/1/2026
محظور على إسرائيل أن تنسحب من ميثاق المناخ
بقلم: أسرة التحرير
كشفت "هآرتس" أول أمس النقاب عن أنه أجريت في اليومين الأخيرين مداولات غير مسبوقة في وزارة الخارجية في مسألة ما إذا كان يتعين على إسرائيل أن تنسحب من ميثاق المناخ (UNFCCC) – اتفاق الإطار لكل دبلوماسية المناخ – اتفاق باريس – التوافق الدولي الأكثر أهمية لمواجهة أزمة المناخ.
لكي نفهم كم هو عبثي هذا النقاش، ينبغي الإشارة إلى أنه فضلا عن الولايات المتحدة، التي أعلنت الانسحاب، فإن كل الدول المستقلة في العالم موقعة على ميثاق الإطار، بما في ذلك كوريا الشمالية، وسورية، وإيران، وليبيا. كما أن كل دول العالم موقعة على اتفاق باريس، وثلاثة فقط – إيران، واليمن، وليبيا – لم تصادق عليه بعد.
إضافة إلى ذلك، فإن الرئيس إسحق هرتسوغ، ورئيسي الوزراء نفتالي بينيت وبنيامين نتنياهو، وكل وزراء حماية البيئة، وكل وزراء الطاقة في العقد الأخير، اعترفوا بأزمة المناخ وباتفاق باريس وكرروا التزام إسرائيل بالاتفاق. كل الجهات المهنية في الوزارات الحكومية، وفي الأكاديميا، وفي أسرة الأعمال التجارية لا تعارض فقط الانسحاب المرتقب بل قلقة منه. أمر محرج رغم أنه متوقع من الوزيرة الفاشلة لحماية البيئة، عيديت سيلمان، التي أكدت أنها أمرت بفحص إمكانية الانسحاب من الاتفاق. إذا قررت إسرائيل هجر الأسرة الدولية في موضوع المناخ فإنها ستلحق بنفسها أضرارا جسيمة. ستكون هذه خطوة أخرى نحو تحولها إلى دولة منبوذة مارقة، لا يمكن الاعتماد على حكومتها. سيتسبب هذا بتراجع في الاستثمارات في أحد المجالات المهمة للاقتصاد: تكنولوجيا الطاقة الخضراء. قرار كهذا سيبعد العديد من الشركات عن إسرائيل، وسيكون نصرا للجهل والتخلف. أزمة المناخ تضرب هنا والآن. فقد كان العام 2025 العام الثالث الأكثر حرّا، والعامان اللذان سبقاه يوجدان في المكان الأول والثاني. موجات الحر ألحقت أضرارا هائلة بالزراعة، وأحدثت توترا في اقتصاد الكهرباء إلى أقصى حد القدرة والمرض. منذ بداية الشتاء ضربت إسرائيل عواصف شاذة تحطم أرقاما قياسية. انسحاب من المسيرة الدولية، التي تحاول توجيه النظر إلى الواقع والتصدي، هو خيانة لالتزام الحكومة تجاه مواطنيها.
السبب الوحيد الذي يجعل هذه الحكومة تفكر في هذا هو ضغط من جانب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قاد الولايات المتحدة إلى خارج الميثاقين، وكذلك إلى انسحاب من عشرات المنظمات والمواثيق الدولية، بما فيها منظمات بيئية، ومنظمات حقوق الإنسان، ووكالات علمية.
هذه السياسة تخرب النظام العالمي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية، وتعرض للخطر حياة البؤساء على وجه الكرة الأرضية، وتضع في خطر قدرة الإنسانية على التصدي للأزمة الأخطر في تاريخها.
التاريخ سيحكم على حكومات استسلمت للضغط من واشنطن وعلى الحكومة أن تقرر إذا كانت تؤيد العلم أم تعنى فقط بالسياسة.
-----------------انتهت النشرة-----------------