الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الجمعة 4/9/2026 العدد 1704
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 4/9/2026
الاتفاق في غزة عالق والأسباب واضحة للجميع: نتنياهو والانتخابات
بقلم: ليزا روزوفسكي
بعد مرور تقريبا ثلاث سنوات على مذبحة 7 أكتوبر واندلاع الحرب في قطاع غزة، وبعد مرور سنة تقريبا على اعلان وقف اطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وقبل اقل من شهرين على الانتخابات في إسرائيل، وانتخابات نصف الولاية في الولايات المتحدة، يبدو ان الفجوة بين رؤية الولايات المتحدة لقطاع غزة والنتائج على ارض الواقع لم تكن في أي يوم أوضح مما هي عليه الآن، وكذلك الفجوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
قال مصدر مطلع لـ “هآرتس” أن جارد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، ونيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، يسعيان الى تقليص دور آريه لايتستون، الذي كان البيت الأبيض قد عهد اليه حتى الان تنفيذ خطة ترامب المكونة من عشرين نقطة على ارض الواقع، في كل المسائل المتعلقة بالاتصالات مع بنيامين نتنياهو. وقال هذا المصدر: “لقد ادركوا ان لايتستون متساهل، وغير حاسم، ولا يستطيع إدارة المفاوضات مع إسرائيل بالطريقة التي يريدونها”. وأضاف المصدر ان طوني بلير، وهو عضو بارز آخر في مجلس السلام، قد اعرب في الأيام الأخيرة عن الاستياء من توجه لايتستون في هذه العملية.
وتابع المصدر يقول: “هم يحاولون الان ابعاده عن عملية التفاوض، وتعيين غوش هالبرن، محامي ترامب، بدلا منه. يشغل هالبرن منصب المحامي الشخصي لترامب، ويتولى، ضمن أمور أخرى، القضية التي رفعها الرئيس ضد الصحافية إي.جين كارول، بعد اتهامه بالتحرش بها في التسعينيات وتشويه سمعتها في فترة ولايته الأولى. أيضا يشغل منصب المستشار القانوني في مجلس السلام. وحسب بعض المصادر يعتبر هالبرن شريك في كل المفاوضات بين إسرائيل والولايات المتحدة، بما في ذلك اللقاء الأخير بين ترامب ونتنياهو.
وقال مصدر في مجلس السلام ان مشاركة هالبرن في المحادثات مع إسرائيل ترتبط بوجود “مسائل قانونية تتعلق بالتزامات إسرائيل، سواء بحسب اتفاق وقف اطلاق النار الذي وقعت عليه، أو خطة النقاط العشرين التي وافقت عليها، أو قرار مجلس الامن الدولي. لذلك، فان مشاركة هالبرن في اللقاءات هي امر ضروري”.
ونفى نفس المصدر وجود نية لنقل لايتستون، وأكد على ان “عدم وجود أي نية لتقليص أو تغيير دور لايتستون تجاه إسرائيل أو بشكل عام”. وقال متحدث باسم مجلس السلام بخصوص نية نقل لايتستون “مختلفة تماما”. وفي مجلس السلام، حسب المصدر، لا شك ان هذا التوجه ينبع من اقتراب موعد الانتخابات في إسرائيل، وانه يحظى بدعم من اعلى المستويات، وبالتحديد من نتنياهو. وفي نفس الوقت يقول المصدر الأول ان “العلاقة بين ترامب ونتنياهو متوترة جدا، ولم يبق الا القليل من العلاقة الطيبة التي كانت تربطهما”.
يوجد جهاز، لكن لا يوجد معبر
يظهر الجمود في غزة بوضوح في جهاز الفحص المتطور الذي قدمته المانيا لإسرائيل، ووضع عند معبر ايرز. وحسب مصدر دبلوماسي فقد تلقى الممثلون الالمان احاطة أسبوعية على مدى اشهر حول سير المشروع في مركز التنسيق في كريات غات، بحضور ممثلين إسرائيليين وامريكيين. وكجزء من المشروع ستتلقى إسرائيل جهازي فحص متطورين، واحد سيوضع عند معبر ايرز، الذي سيفتح للمرة الأولى منذ 7 أكتوبر، والثاني عند ميناء اسدود. ويهدف ذلك الى منع الازدحام المروري عند معبر كرم أبو سالم، وتسهيل نقل المساعدات الى غزة بطرق مختلفة، وبالتالي، توسيع نطاقها. وقد تغيرت الجداول الزمني على مدار الأشهر ولكنها كانت معروفة للجميع، وربما تم الاتفاق عليها بين الأطراف.
في 21 آب الماضي نشر السفير الألماني الجديد في إسرائيل الكسندر لانديستورف تغريدة احتفالية مرفقة بصور من احتفال متواضع أقيم عند معبر ايرز، وكتب بان الجهاز الجديد الذي وضع هناك سيضمن “وصول المزيد من المساعدات الى غزة، مع الحفاظ على أمن إسرائيل”. ولكن بعد أسبوع تقريبا، اصدر نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس بيان مشترك جاء فيه: “لا توجد أي توجيهات لفتح معبر ايرز للبضائع”. ومنذ ذلك الحين ينتظر الدبلوماسيون الدوليون الموجودون في مركز التنسيق في كريات غات، في حالة حيرة، الحل للغز المعبر. في هذا الأسبوع ابلغهم ممثل المانيا بانه حتى الان لا يوجد أي تقدم. وقالت وزارة الخارجية الألمانية لصحيفة “هآرتس”: “نحن على اتصال مع الحكومة الإسرائيلية بشأن الخطوات التالية”. وطلب من احد المصادر المطلعة على عمل مجلس السلام وعمل الإدارة الامريكية امام حكومة إسرائيل، تحديد المشكلة الرئيسية التي تعيق التقدم في الخطة، فأجاب ان كل الامر يتم اختزاله في النهاية في مسألة الوصول – منع دخول وخروج المساعدات والافراد.
ومن الأمثلة الصارخة على جوهر هذا المازق منع إسرائيل لدخول قوات حفظ السلام الى غزة. ففي نهاية شهر تموز، قبل زيارة نتنياهو في واشنطن، اصدر مكتب رئيس الحكومة بيان من مصدر سياسي مجهول يفيد بان مجلس الوزراء وافق على دخول 200 جندي “من اوغندا والمغرب”. وفي نهاية شهر آب اصدر مكتب رئيس الحكومة بيان ينفي ذلك، وقال: “خلافا للتقارير لم توافق القيادة السياسية على دخول القوات الدولية الى قطاع غزة”. في الواقع كان يجب على المكتب ان يبدأ هذا البيان بعبارة “خلافا لتصريحاتنا السابقة”.
رغم التاخير الا ان مجلس السلام يسعى وبجدية الى المضي قدما بقدر الإمكان، وضمن أمور أخرى، ينوي المجلس توقيع اتفاق مع كوسوفو لارسال جنود الى قوة تحقيق الاستقرار. ولكن كل الامر يتوقف في نهاية المطاف على قرار الحكومة، التي يتوقع حسب عدة مصادر، ان تناقش هذه المسألة في القريب.
ومن الأمثلة الأخرى على السياسة التي تتبعها حكومة نتنياهو، قيام إسرائيل بالوقوف في وجه آلاف الغزيين الذين جندتهم اللجنة الفنية لقوات الشرطة الجديدة في غزة، ومنعهم من مغادرة القطاع للتدرب في مصر. وحسب نفس المصدر، يخشى المجلس من انه حتى لو سمح للمجندين بالمغادرة فقد تمنعهم إسرائيل من العودة بعد انتهاء التدريب بذريعة الامن.
المسألة ليست مسألة خلافات. ويبقى السؤال المطروح هو هل هناك أي أساس لمزاعم إسرائيل بشأن الاتفاق الموقع مع حماس، الذي اعقبه لجوء نتنياهو الى التخريب الصريح – أو ان كل شيء محكوم بضغوط انتخابية؟ وقال احد المصادر الذي تحدث الى “هآرتس” ان اجتماع عقد في الشهر الماضي بحضور نتنياهو وكوشنر وملادينوف وبلير وممثلين آخرين من مجلس السلام، حضره أيضا رئيس جهاز الشباك دافيد زيني ورئيس شعبة الاستخبارات شلومو بندر. وحسب المصدر قدم زيني وبندر للحضور صورة مقنعة عن الشكوك الأمنية، بما في ذلك استنتاجات تشير الى ان حماس لا تنوي نزع سلاحها، ومعلومات حول التمويل التركي لحماس. وقال المصدر ان رؤساء جهاز الاستخبارات الإسرائيلية قدموا في الاجتماع نتائج لم تعرض في اجتماعات مشابهة سابقة، من اجل اظهار الوضع المعقد امام الممثلين الكبار.
مع ذلك، حسب مصدر في مجلس السلام، فان التخوفات والأدلة التي عرضت في اللقاء لم تفاجيء أي أحد. وقال هذا المصدر للصحيفة: “نحن غير ساذجين”، لم نعتقد ان حماس ستسلم سلاحها ببساطة بدون محاولة التحايل. لذلك تم بناء خريطة الطريقة على مبدأ المعاملة بالمثل “افعل شيء واحصل على شيء”.
وأضاف المصدر انه رغم الغموض المحيط بترتيب تسليم السلاح في ظل الانسحاب الإسرائيلي، أو الروايات المتضاربة التي يصدرها أعضاؤه، فلا مجال للبس فيما يتعلق بحقيقة أساسية، وهي وجوب تسليم السلاح بالكامل. وقال: “تمثل وثيقة النقاط الـ 15 اطار التفاهم بين الوسطاء ومجلس السلام وحماس، وترسخ التزام حماس بتسليم كل السلاح وانهاء أي دور لها في حكم غزة”. وأضاف: “هناك بنود معينة من المفروض حسمها في نقاشات فنية تجري بالفعل مع الأطراف، مثل الجداول الزمنية. ولكن واضح تماما وجوب تسليم كل السلاح واخضاعه لعملية تفكيك”.
من وراء محاولة مجلس السلام التهرب من معضلة “البيضة والدجاجة”، أي اذا ما كان يجب على إسرائيل الانسحاب فقط بعد نزع سلاح حماس، أو ان الخطوات ستتخذ بالتدريج وعلى مراحل – يكمن كما يبدو أمل في صيغة تسمح لكل طرف بعرض إنجازاته وتجاهل الجوانب الأقل راحة في الواقع. ولكن هذه الامال تبدو وهمية. ففي إسرائيل قال نتنياهو ان نزع السلاح من قطاع غزة هو شرط ضروري لا غنى عنه من اجل الانسحاب، في حين انه في الشارع الفلسطيني يعتبر نزع سلاح حماس قبل الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من القطاع بمثابة الهزيمة النهائية والكاملة للحركة، وربما ما هو أسوأ من ذلك.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 4/9/2026
محاولة الوصول إلى منزل محاصر في قرية قصرة تفشل ما يحدث في الضفة الغربية سينقلب علينا
بقلم: عوديد شالوم
استغرقت رحلتنا ما يزيد قليلًا عن نصف ساعة، بينما لا تستغرق عادةً أكثر من دقيقتين. بعد لحظات من مغادرتنا مركز قرية قصرة وبدء صعودنا الطريق المؤدي إلى منزل لؤي أبو رضا المحاصر، توقفنا أمام حاجز من مقاتلي شرطة حرس الحدود. أحصينا ثلاث سيارات تويوتا هايلوكس بيضاء اللون وسيارتي جيب بنيتين تسد الطريق. اقترب أحد المقاتلين من سيارتنا وسألنا عن سبب وجودنا هنا.
هذه قرية فلسطينية تقع في المنطقة (ب)، جنوب شرق نابلس، قبيل بداية النزول إلى الغور، وقد تصدرت عناوين الأخبار في الأسابيع الأخيرة ليس فقط في إسرائيل، بل في معظم دول العالم. يتساءل المرء عما حدث في قصرة ولم يحدث في أماكن أخرى من الأراضي الفلسطينية. فبعد كل شيء، تصاعدت وتيرة الغارات العنيفة المتواصلة، والاعتداءات، والإرهاب اليومي الذي يمارسه مسلحو التلال ضد المجتمعات والقرى الفلسطينية، فور بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023، ولم تتوقف منذ ذلك الحين.
هذه الحالة تحديدًا ليست جديدة. إن أسلوب المافيا المتمثل في إنشاء بؤرة استيطانية في فناء منزل عائلة فلسطينية أو في جواره المباشر، والمضايقات والاعتداءات المستمرة ليلًا ونهارًا، بهدف كسر شوكة العائلة وإجبارها على مغادرة منزلها ليتمكن المستوطنون من الاستيلاء عليه، قد جُرِّب بنجاح في أماكن أخرى. حدث هذا الأمر ليس ببعيد، في قرية جالود، حيث طُردت عائلة الطوباسي بالطريقة نفسها. ولم يأتِ مراسلون وفرق إعلامية من جميع أنحاء العالم إلى هناك.
لعلّ السبب وراء حصول قصرة على هذا القدر من الاهتمام مرتبط بصاحب المنزل الذي هو محور الحادثة. أبو رضا مواطن أمريكي يجيد الإنجليزية بطلاقة، مما يجعله متحدثًا بارعًا أمام وسائل الإعلام العالمية. عندما بدأ حصار المستوطنين لمنزله قبل أكثر من ثلاثة أسابيع، كان في منزله في أوهايو، وبعد أيام قليلة، وبمساعدة السفارة الأمريكية، وصل إلى القرية وسارع إلى رفع العلم الأمريكي على سطح المنزل. لم يسبق أن شهد منزل فلسطيني يتعرض لهجوم وحصار من قبل المستوطنين، ويرفرف عليه علم الولايات المتحدة، مثل هذا الوضع من قبل.
“اصعدوا. إنها مسؤوليتكم”
استمر اغلاق الحاجز حوالي نصف ساعة. تساءل أول المقاتلين الذين اقتربوا منا عن هويتنا. بعد سلسلة من الأسئلة والأجوبة، حذرنا من أن المنطقة شديدة الانفجار، وأنه يجب أن نضع في اعتبارنا أنه إذا اشتعلت النيران فجأة، فسنجد أنفسنا وحدنا. حذرنا قائلاً: “لن نكون هناك لإنقاذكم”، ثم سألنا مجدداً: “هل أنتم متأكدون من رغبتكم في الصعود إلى هناك بمفردكم؟”. بعد حوالي خمس عشرة دقيقة، استُجوبنا مرة أخرى، هذه المرة من قبل رجل يرتدي ملابس مدنية، أظهر لنا بطاقة هوية شرطي. كان يعمل ضمن قوة شرطة حرس الحدود، ولم نعرف إلا لاحقاً ما تفعله هذه القوة في المنطقة. أخذوا هوياتنا، وفحصوا اتصالاتنا، وانتظروا ردنا، ثم قالوا أخيراً إنه لا توجد مشكلة، “يمكنكم الصعود، لكن على مسؤوليتكم الخاصة”.
وكما ذُكر، فإن قصة قصرة ليست غريبة. في أوائل عام 2026، أُنشأت بؤرة استيطانية تدعى تل تلبيوت على الجبل، فوق مركز القرية. أُنشئت ولا تزال تُنشأ عشرات البؤر الاستيطانية المماثلة في جميع أنحاء الضفة الغربية. يُعد جبل عين عينا أعلى جبل في المنطقة، ومن بين أعلى الجبال في يهودا والسامرة، ويولي المستوطنون أهمية بالغة له لقدرته على مراقبة المنطقة بأكملها والسيطرة عليها. بعد فترة وجيزة من إنشاء البؤرة، بدأ سكان قرى المنطقة – جالود، وتلفيت، وقصرة – يتعرضون لهجمات يومية من قبل المستوطنين، الذين كان معظمهم ملثمين. سُجلت معظم الهجمات مباشرة عبر الهواتف وكاميرات المراقبة، وفي كثير من الحالات، قدم الفلسطينيون الذين تعرضوا للهجوم شكاوى إلى الشرطة.
يقول عوديد بابوريش، الناشط في منظمة “الوجود الحامي” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إنه في منتصف شباط، عندما تصاعدت هجمات المستوطنين من البؤرة على سكان قصرة، تلقى طلبًا للمساعدة من القرويين. ويتذكر قائلًا: “طلبوا منا القدوم وتوفير الحماية لهم لأن الهجمات كانت شديدة للغاية آنذاك، ما دفع إحدى العائلات في القرية إلى مغادرة منزلها. وصلتُ إلى هناك يوم الجمعة، في السابع والعشرين من شياط، عشية اندلاع الحرب الكبرى مع إيران، كنتُ أنا ويعيل ليفكوفيتس وعدي كوهين هاراري. ذهبنا لنُعرب عن تضامننا مع عائلة اقتحم مستوطنون منزلها وقلبوه رأسًا على عقب. طلب منا أحد السكان مرافقته لنرى حجم الدمار الذي ألحقوه بالمنزل الذي كان يبنيه على الجبل. عندما وصلنا إلى المنزل، دخلتُ مع اثنين من سكان القرية، بينما بقيت ياعيل وعدي في الخارج. بعد دقائق، وصل أربعة مستوطنين ملثمين على متن مركبة رباعية الدفع. كانوا يحملون هراوات خشبية وبدأوا بضربهما. تلقت عدي ضربة قوية على رأسه فسقط أرضًا.
عندما سمعت الصراخ، غادرت المنزل وبدأ المهاجمون بمطاردتي. لحقوا بي، وأسقطوني أرضًا، وانهالوا عليّ ضربًا بالهراوات. أُصبت بأربعة كسور تهشمية في يدي اليمنى، وكسور في الأضلاع، وجرح عميق في ظهري فوق عيني. كانت عدي مصابة بجروح بالغة. فقدت وعيها، وشعرنا بخوف شديد على حياتها. لولا إصرار ياعيل على حضور نجمة داود الحمراء والشرطة لإجلائها، وإصرارها الشديد مصحوبًا بالصراخ، لما نجت.
بعد أسبوعين، داهم المستوطنون منازل القرية مجددًا. حدث هذا خلال الحرب مع إيران، حين كانت صفارات الإنذار من الصواريخ الباليستية تجبر أجزاءً كبيرة من إسرائيل على دخول المناطق المحمية عدة مرات يوميًا. في الهجوم العنيف الذي وقع في 14 آذار، حاول عدد من السكان الخروج لمواجهة المستوطنين ودفعهم بعيدًا عن القرية، وردًا على ذلك، أطلق عدد من المستوطنين المسلحين النار، ما أسفر عن مقتل أمير عودة، البالغ من العمر 28 عامًا، وإصابة والده معتصم بجروح بالغة أدت إلى إعاقته.
يقول سكان قصرة إن الجيش والشرطة أخلا البؤرة الاستيطانية عدة مرات. ويقول رئيس المجلس المحلي، عبد العظيم وادي: “لكن في كل مرة، وبعد ساعة أو ساعتين، يعود المستوطنون وينصبون خيامهم وحظائرهم من جديد، ويجلبون معهم بعض الماعز والأغنام، ويستمر هذا الوضع على هذا النحو دون انقطاع، يومًا بعد يوم”. ويضيف: “نحن في عمق المنطقة (ب). هذه منطقة تقع تحت المسؤولية المدنية الفلسطينية. أي شخص يبني هنا يحصل على موافقة السلطات الفلسطينية. إسرائيل مسؤولة فقط عن الأمن – بما في ذلك أمننا نحن الفلسطينيين – لكن البناء مسؤوليتنا”. هذه المنطقة في جبل عين عينا منطقة قصرة، ولا مكان للمستوطنين فيها. يأتون ويقطعون أنابيب المياه وكابلات الكهرباء، ويستولون على نبع ماء، ويهاجمون منازل الناس لإجبارهم على الفرار، ويحولون حياتنا إلى جحيم. لقد ناشدنا مرارًا وتكرارًا إدارة التنسيق والارتباط الفلسطينية للتواصل مع إدارة التنسيق والارتباط الإسرائيلية، وناشدنا الجيش والإدارة المدنية والشرطة الإسرائيلية، وناشدنا العالم أجمع. منذ يناير ونحن نناشد كل من نستطيع، ولكن دون جدوى. المستوطنون يفعلون ما يحلو لهم، والجيش متواطئ معهم، ولا يمنعهم من إيذائنا. لدينا أربعون شابًا في السجن منذ أن بدأ المستوطنون مهاجمتنا، بينما لم يُقبض على أيٍّ منهم.
لدى سكان التلال مُخطط استراتيجي يُحدد السياسات والأهداف، يُدعى إليشا يارد، وهو ناشط جدًا على مواقع التواصل الاجتماعي. بعد سيطرته على المنطقة (ج) وطرد البدو منها، وضع يارد هدفًا جديدًا: الاستيطان في المنطقتين (ب) و(أ). في ليلة التاسع من آب، نزل عدد من المستوطنين من البؤرة الاستيطانية أعلى الجبل، ونصبوا مظلة أمام منزل عائلة أبو رضا. يقع المنزل على أطراف قصرة، ليس على قمة الجبل تمامًا، ولكنه قريب منها، وبجانبه منزلان آخران لعائلة حسان. منذ تلك اللحظة، لم يعد بإمكان سكان المنزل إخراج رؤوسهم دون أن يتعرضوا للرشق بالحجارة. وصل الجيش الإسرائيلي إلى الموقع، لكنه لم يبذل جهدًا يُذكر لإخراج الغزاة. حوصر المنزل، ولم يجدي نفعا تصوير مقاطع الفيديو الذي قام به وفيق وقصي، شقيقا لؤي.
أعلن الجيش منطقة المنازل المحاصرة منطقة عسكرية مغلقة، ومُنع الوصول إليها. في الأيام الأولى لوصول الجيش، بقي المستوطنون في المنطقة، لكن مُنع النشطاء الإسرائيليون الذين أرادوا الوصول إلى منزل العائلة المحاصرة وإيصال المؤن الغذائية إليهم من الدخول. ومع تزايد الاهتمام العالمي، وبدء الحكومة الأمريكية في إدانة ما يجري على الجبل والمطالبة بتفسيرات، أُخلي المستوطنون من هناك أيضًا. لكن ليس من الجبل بأكمله، بل من محيط المنزل فقط.
يهاجمون ويبكون
نحن الآن أمام منزل صدام عودة، حيث كانت تقف عند سفحه مركبات شرطة حرس الحدود التي منعتنا من الصعود إلى الجبل. يقع منزل عودة عند بداية الطريق المؤدي إلى منزل أبو رضا المحاصر، وهو مُغطى بالكامل بكاميرات بزاوية 360 درجة. يوم السبت الماضي، طلب لؤي بيروتي، أحد سكان القرية، من عودة مرافقته إلى المنزل. من المنزل الذي يبنيه على طريق الصعود إلى الجبل. في منزل بيروتي، تعرض بابوريش وكوهين هاراري وليفكوفيتس للهجوم قبل حوالي ستة أشهر.
يقول عودة: “أراد بيروتي وضع قضبان حديدية على النوافذ والأبواب لأن المستوطنين كانوا يدخلون منزله ويدمرون المعدات ومواد البناء. كنا سبعة عمال مع بيروتي، وبعد دقائق من وصولنا، وصل ثلاثة مستوطنين على متن مركبة رباعية الدفع. رأونا نعمل، فثار غضبهم. صورونا وصعدوا إلى مبنى من أربعة طوابق كان قيد الإنشاء أيضًا، فوق منزل بيروتي. هناك انتظروا وصول أصدقائهم. أقول لكم، في غضون خمس عشرة دقيقة، نزل حوالي سبعين مستوطنًا من الجبل. جاؤوا سيرًا على الأقدام وفي شاحنات صغيرة وبدأوا برمي الحجارة علينا داخل المنزل. كما جاء جنود مستوطنون (جنود وحدة “هغمار”، كما كانوا يُسمّون) معهم وأطلقوا قنبلتين من الغاز المسيل للدموع داخل المنزل.” بدأنا نختنق، فصعدنا إلى السطح حيث كان الهواء نقيًا وتمكّنا من التنفس.
سُجّلت هذه الحادثة كاملةً بهواتف السكان الذين كانوا يراقبون من بعيد، وبكاميرات المراقبة المثبتة على المنازل. بعد انتشار مقاطع الفيديو لشاحنات النقل الصغيرة المحمّلة بمستوطنين ملثمين في جميع أنحاء العالم، ادّعى المستوطنون أنهم كانوا أول من تعرّض للهجوم، وأنّ ما وصل إلى قصرة لم يكن سوى تعزيزات لإنقاذ مستوطنين تعرّضوا للرشق بالحجارة في كمين فلسطيني. هذه الادعاءات الدفاعية من المستوطنين مألوفة، فهم دائمًا الضحية. يقول عودة: “حتى الشرطة تقول إنّ المستوطنين يكذبون”.
كيف عرفتَ أنّ هذا ما تقوله الشرطة؟ “لقد استمعوا إلى شهادتي حول ما حدث. وقبل مجيئك مباشرةً، كانت شرطة حرس الحدود عند منزلي. جاؤوا بقوة كبيرة لأخذ جهاز التسجيل الرقمي للكاميرات. قلت لهم: أرسلوا شخصًا واحدًا، وسأعطيه إياه بكل سرور. نريدكم أن تروا ما صوّرته الكاميرات”. لكنّ الأمر الآن هو يوم الثلاثاء، بينما وقع الحادث يوم السبت. انظر كم استغرقهم من الوقت للوصول إلى البلدة وتصوير اللقطات. لو كان الأمر معكوساً، أي لو كان الفلسطينيون هم من يأتون إلى المستوطنة، لكانوا قد وصلوا وصوّروها في أقل من ساعة.
الأهم هو أن تنتهي قصتك يوم السبت بسلام. عبس عودة قائلاً: “أُصبنا بالحجارة، ولم يستطع أحدنا التنفس على السطح. وأخيرًا، جاء الجنود، فقلنا لبعضنا: ها قد وصل الجيش النظامي أخيرًا، سيُخرجوننا من هنا أحياء. وبعد أقل من دقيقتين، صعد الجنود إلى السطح، وقيدوا أيدينا خلف ظهورنا، وعصبوا أعيننا. توسل إلينا الرجل الذي كان يعاني من صعوبة في التنفس، فلم يُقيد. ألقوا بنا في مركبة عسكرية، ولم نفهم إلى أين هم ذاهبون. داخل القرية، لا يُسمح بالقيادة لأكثر من 200 متر. لكنهم أخذونا إلى مدخل دوما، وهي قرية تبعد عشر دقائق بالسيارة من هنا، وألقوا بنا على الطريق. قبل أن ينطلقوا، طلبوا من الرجل الذي كان يعاني من صعوبة في التنفس أن يعدّ إلى 60، ثم سيُطلقون سراحنا.” يزعم الجيش الإسرائيلي أن التأخير كان بسبب رشق الحجارة: “بعد فرار مثيري الشغب الإسرائيليين من المنطقة، قامت القوات بتقييد عدد من الفلسطينيين. ووفقًا للقوة الموجودة في الموقع، قاوم أحدهم، مما استدعى استخدام القوة المتناسبة ضده. تم اقتياد المشتبه بهم للاستجواب ثم أُطلق سراحهم بعد ذلك بوقت قصير.”
ويضيف رئيس المجلس، عبد العظيم: “اشتدت الهجمات منذ بداية العام مع ظهور المستوطنات الجديدة. إجمالاً، حوصرنا بست عشر مستوطنات جديدة (مزارع وبؤر استيطانية، بالمناسبة). قد تكون إحدى هذه المستوطنات مجرد خيمة واحدة. يكفي وجود ثلاثة أو أربعة رجال فيها مع بعض الماعز أو الأغنام، وهذا كل شيء. تأتي أشد الهجمات من أماكن كهذه. في قريتنا، احترقت أربعة منازل بالكامل. واحترقت سبعة منازل جزئياً مع أضرار جسيمة، واحترقت ثماني عشرة مركبة بالكامل. إضافة إلى ذلك، احترق مسجدان وثلاثة متاجر. لحقت بنا أكبر الأضرار في منطقة حظائر الدجاج في الطرف الجنوبي من القرية. لدينا هناك إحدى عشرة حظيرة دجاج كبيرة، احترقت أربع منها. ثلاث منها كانت تضم ثلاثين ألف دجاجة. احترقت جميعها. تضررت المباني نفسها، وشبكات المياه والكهرباء، بشدة.
“خوفاً من ذلك، لم يعد أحد من القرية يقترب من هذه المنطقة.” وليس لدينا تأمين، لذا لم يتلقَّ أحدٌ هنا شيكلًا واحدًا كتعويض عن الأضرار التي ألحقها به المستوطنون. كان سعر الدونم الواحد من الأرض عام 2011 ستة آلاف دينار، وبحلول عام 2023 قفز إلى أربعين ألف دينار. الآن، لن يقبل أحدٌ دونمًا هنا حتى بالمجان. “إنهم”، وأشار نحو الجبل، “يريدون إبادتنا”.
كنا نجلس في مكتب رئيس المجلس. انضم إلينا الشيخ زياد عودة، إمام أحد مساجد القرية، وهو متحدثٌ طليقٌ باللغة العبرية منذ أيام عمله في إسرائيل. قال: “أوجه هنا تحذيرًا للإسرائيليين العاديين، وأعلم أنهم الأغلبية في إسرائيل. عليهم أن يعرفوا ما يحدث هنا. لا يمكنهم القول “لم نكن نعلم”، لأن هذه الأمور معروفةٌ في جميع أنحاء العالم. ما يحدث في قصرة ليس حكرًا عليها”. إنها ظاهرة منتشرة في جميع قرى المنطقة. كل يوم يمر يدفع الناس إلى حافة الانهيار. لكل معاناة حدٌّ من الصبر. الناس بلا عمل، والمستوطنون استولوا على أراضينا الزراعية أو يمنعوننا من العمل فيها. فقدنا 70 في المئة من الأراضي الزراعية في قصرة، فقد استولى عليها المستوطنون. أينما ذهبت، ستجد المشاكل. لذا، فقد نفد صبرنا. المستوطنون يرتكبون أفعالًا شنيعة بحق الناس، والحكومة والجيش والشرطة متواطئة معهم.
“رأى الجميع ما حدث في كفر تل عندما دخلها المستوطنون. لم يستطع الشيخ فاروق (فاروق رمضان، الذي سرق سلاح نائب رئيس شرطة حفات جلعاد، بنياهو ملات، رحمه الله، وقتل ملات والرائد يوفال عزرا) لم يعد لديهم ما يخسرونه. لقد أصبحوا في مأزق، على حافة الهاوية. نحن بالفعل على حافة الهاوية في قصرة. لم يعد لدينا ما نخسره. سنصل إلى تصعيد خطير للغاية. في اللحظة التي يدخلون فيها بيوتكم، ماذا ستفعلون؟” عليك أن تدافع عن نفسك.
الإجراء الأمريكي
بعد تحذيرنا من الصعود إلى الجبل، استقل جنود حرس الحدود المركبات المزودة بكاميرات الفيديو الرقمية من منزل عودة وغادروا المكان. صعدنا ببطء ومررنا بمنزل بيروتي، الذي تعرض لهجوم من قبل عشرات المستوطنين الملثمين يوم السبت. لم يُقبض على أي منهم خلال الحادث. بالأمس فقط، بعد مرور أسبوع تقريبًا، أُلقي القبض على أول مشتبه به.
وقّع اللواء آفي بلوط، قائد المنطقة الوسطى، أمرًا عسكريًا قبل عام يحظر تغطية الوجه في الأماكن العامة في الضفة الغربية. يسري الأمر على جميع المواطنين، يهودًا وفلسطينيين، ويهدف إلى مواجهة صعوبة تحديد هوية مثيري الشغب في حوادث الفوضى والجرائم القومية. تصل عقوبة مخالفة الأمر إلى السجن ستة أشهر، لكنها لا تردع مجرمي التلال. والحقيقة أنهم يواصلون التحرك ومهاجمة القرى الفلسطينية وهم ملثمون. ما الدافع الذي يدفعهم للامتثال للأمر في حين أن الجنود أنفسهم لا يطبقونه على أرض الواقع؟
أقام الجيش مظلة على بُعد حوالي 50 مترًا من أبو منزل رضا، وعندما وصلنا إليه بعد ظهر يوم الثلاثاء، كان هناك جنديان احتياطيان يقفان هناك. لم يسمحا لنا بالاقتراب من المنزل، زاعمين أن أمراً عسكرياً بإغلاق المنطقة المحيطة بالمنزل قد فُرض من المظلة إلى فناء المنزل. هذا هو الوضع الراهن: ليس المستوطنون هم من يحاصرون المنزل الواقع على قمة الجبل في قصرة، بل الجيش.
سألنا لؤي أبو رضا عبر الهاتف ولوّح بيده: “هل أنتم هناك، في السيارة البيضاء؟”. أجبنا “نعم” ولوّحنا له. لم يكن صوته مطمئناً. قال: “انظروا إلى هذا الوضع العبثي الذي نعيشه. أنا محبوس في منزلي ومحاصر، ولا أستطيع الخروج أو إحضار أحد إليّ. إنه كابوس. اليوم هو اليوم الخامس والعشرون من الحصار على المنزل. نقطة التفتيش العسكرية تمنعنا من الخروج والدخول إلى المنزل بحرية.”
“الحصار علينا مُحكم. اليوم، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام من التنسيق، تمكّنا من إحضار شاحنة محملة بالطعام والدواء. أؤكد لكم أننا نسّقنا هذه الإمدادات مع الجانب الفلسطيني، والإدارة المدنية، ومكتب التنسيق والجيش الإسرائيلي. في النهاية، عندما وصلت الشاحنة، سمحنا لها بالمرور، لكن الجنود عند الحاجز أمام المنزل أوقفوها. قالوا إنهم لم ينسقوا معهم، ولم يكونوا على علم بوصول الإمدادات. لذا اتفقنا على أن يغادر ثلاثة رجال المنزل وينقلوا بأنفسهم صناديق الطعام والدواء. فعلنا ذلك على عدة نوبات، في الحر الشديد، أنا وأخي وفيق ووالد الجيران.”
لقد رفعتم دعوى أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، فهل أنتم على اتصال بالسفارة الأمريكية؟ هل يمكنكم تقدير متى سينتهي هذا الكابوس؟
“لقد قدمنا طلبًا إلى المحكمة الإسرائيلية لإصدار أمر للجيش بمنع المستوطنين من الاقتراب من منازلنا. وقد طلبت المحكمة من الدولة توضيح ما تنوي فعله لتمكيننا من العودة إلى حياتنا الطبيعية. للأسف، لم يأتِ أحد من السفارة للاطلاع على ما يحدث هنا. أنا مواطن أمريكي، ووالدتي تحمل البطاقة الخضراء، ونحن مؤهلون للحماية الأمريكية، ولكن باستثناء الإدانات، لم أسمع شيئًا من الإدارة. آمل حقًا أن تساعدنا محكمتكم، وأن يتدخل العالم، وأن تمارس أمريكا ضغطًا، وأن يحدث شيء ما ونخرج من هذا الوضع. لحظة، لحظة، إنهم يتصلون بي من السفارة، عليّ الرد عليهم…”.
كانت ميلي من السفارة في القدس. لم نسمع منها شيئا، باستثناء تصريحها بشأن استمارة إلكترونية كان يحب ملؤها. ولم نسمع من الادارة الامريكية سوى تنديدات خفيفة “وكان الأمر يتعلق بمسألة إجرائية، وليس شيئًا من شأنه أن يساعدنا على الخروج من هذا الوضع المريع”.
ردًا على المقال، صرّح متحدث باسم الجيش الإسرائيلي قائلًا: “خلال الشهر الماضي، تمّ نشر تعزيزات من قوات الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود في منطقة قرية قصرة التابعة للواء السامرة لمنع أي احتكاكات أو دخول مثيري شغب إسرائيليين إلى المنطقة، وللاستجابة لأي بلاغات عن اضطرابات. وقد فُرض حظر عسكري في المنطقة لحماية العائلات، ولإنفاذ القانون ومنع وصول المخالفين إليها. وبناءً على ذلك، وحرصًا على سلامتهم، لا يُسمح بدخول منطقة المنازل أو التنقل فيها دون تنسيق مسبق. وتتواصل العائلة مع ممثلي الجيش الإسرائيلي، وقد تمّ تنسيق ثماني عمليات دخول خلال الأسبوعين الماضيين.”
------------------------------------------
هآرتس 4/9/2026
ترامب يريد أن ينهي الحرب لكن ليس واضحا اذا كانت ايران قادرة
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
“جائحة” جديدة تصيب ملايين السائقين في ايران. فقد تبين ان النقص الحاد بالبنزين يدفع أصحاب محطات الوقود الى خلط الوقود بالماء، واحيانا ملء خزانات السيارات بالمياه فقط. النتيجة هي تعطل آلاف السيارات بعد بضع مئات أو عشرات الكيلومترات وتوقف المحركات عن العمل. وعند وصولهم الى ورشة الصيانة يتم تبليغ أصحابها بضرورة اصلاح المحرك أو استبداله بمئات الدولارات، وذلك في افضل الحالات اذا توفرت قطع الغيار.
قد تبدو قصة المحركات هامشية مقارنة مع النقص الحاد في الادوية والسلع الأساسية وتوقف الخدمات العامة، لكنها في نفس الوقت مؤشر على انهيار عمل الاليات العامة التي كانت تعتبر قبل الحرب فعالة، أو على الأقل بمثابة ملجأ للمواطنين لتقديم شكواهم. ولا يسع المرء الا ان يحسب أسعار تصليح السيارة في ايران. فحسب شهادة مالك سيارة “بي.ام.دبليو” تعطل محركها بسبب تسرب المياه، اضطر الى دفع 450 دولار من اجل إصلاحها، وكشف بحث في الانترنت ان تكلفة تصليح مشابه في إسرائيل قد تتجاوز 7 آلاف دولار.
مع ذلك، لا تدفع السيارات المحطمة المواطنين الى الخروج الى الشوارع، ويبدو ان نية رفع سعر البنزين وخفض حصص الوقود المدعومة لن تشعل الاحتجاج المنتظر. في عراق صدام حسين كان الوضع اصعب، لكن المواطنين وجدوا طرق لتجميع سياراتهم بأنفسهم من قطع غيار من مختلف المصنعين، وتوصيل المحركات باسلاك من الحديد وتقطير الوقود في البيوت أو تشغيلها باستخدام زيت الطعام. السؤال هو الى متى يمكن لهذا الضغط الاقتصادي ان يحفز النظام على التفكير في خطة لكسر الجمود والعودة الى طاولة المفاوضات.
تكمن الصعوبة في انه حتى لو كان هناك من يدرك ذلك في القيادة، فان النظام الإيراني غارق في صراعات داخلية على السلطة، ويجد صعوبة في اتخاذ قرارات حاسمة. فهو يجيد التصعيد التدريجي وإدارة الوكلاء واستخدام القوة بحذر وارسال الإشارات واستنزاف الموارد وكسب الوقت. ولكن من غير الواضح كيف سينهي الحرب بطريقة منظمة، خاصة اذا كان يمكن اعتبار هذه النهاية اعتراف بان الحملة لم تحقق ما وعد به. بسبب ذلك لا تستعجل طهران الحديث عن “نهاية”، بل عن العودة الى “فترة التفاهم” و”الالتزامات المتبادلة” و”الحقوق السيادية” في مضيق هرمز، والتعويض عن الاضرار. بكلمات أخرى، ايران تبحث عن طريقة للتوقف بدون الإعلان عن ذلك. ومن اجل التراجع عن موقفها بدون الاعتراف بانها صعدت الى علو مرتفع جدا.
حسب تقرير نشرته “وول ستريت جورنال” تشاور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع مساعديه حول إمكانية اعلان انهاء الحرب من جانب واحد مع استمرار الحصار الاقتصادي، على افتراض ان هذا الحصار سيجبر ايران على تفكيك برنامجها النووي أو التسبب بانهياره. قد يختلف المرء مع تقييمات ترامب ويتخلى عن توقعاته، لكن ميزته تكمن في سيطرته المطلقة على عملية صنع القرار. اما في ايران فالوضع معقد اكثر، حيث لا يعرف حتى من هو الشخص المخول باتخاذ قرار وقف الحرب وتحت أي شروط.
يستطيع ترامب ان يعلن عبر تغريدة أو امام الكاميرا أنه “انتصر” ويوقف اطلاق النار، في حين لا توجد في ايران أي شخصية ذات سلطة مخولة لاتخاذ خطوة مشابهة. نظريا، يعتبر المرشد الأعلى “المختفي” مجتبى خامنئي السلطة العليا، لكن الخلاف العلني حتى بين مؤيدي العودة الى المفاوضات – على سبيل المثال، بين الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، يظهر بوضوح ان الواقع السابق الذي كان فيه المرشد الأعلى يملي السياسة ويجبر حتى معارضيه على تبنيها، قد اصبح “مخصخص”. ان المناوشات الكلامية بين القوى السياسية والعسكرية المتنافسة هي التي ستصوغ القرار الذي سيطلب من خامنئي تبنيه ونشره كما لو انه قراره.
يمكن إيجاد تعبير يسلط الضوء على نمط هذه الخلافات في مقابلة مطولة اجراها منصور حقيقت – بور مع موقع “هاف صبح” الإيراني المستقل قبل أسبوع ونصف. بور (67 سنة) والذي ينتمي للتيار المحافظ غير المتشدد، كان قائد في الحرس الثوري وشغل مناصب رفيعة في قوة القدس، وانتخب بعد ذلك لعضوية البرلمان واصبح نائب رئيس لجنة الامن والسياسة الخارجية. في مقابلة طلب منه الصحافي الليبرالي افشين امير شاهي التحدث عن أوجه القصور في إدارة السياسة الخارجية وتساءل: هل يمتلك المسؤولون في الجمهورية الإسلامية القدرة على الاعتراف بالخطأ الاستراتيجي والاعتذار عنه سياسيا؟ كيف يمكن لمسؤولين تدارك بعض الأخطاء على الأقل؟.
أجاب حقيقت – بور على هذا السؤال باجابة مطولة ومفصلة وواضحة. “هذا سؤال حساس جدا. يكمن الخلل الأساسي في الجمهورية الاسمية في عدم اعترافنا باخطائنا الاستراتيجية وعدم استعدادنا لدفع الثمن. أقول هذا بوضوح تام، لقد خسرنا في سوريا. بعد انفاق مليارات الدولارات والتضحية بالشهداء ودعم حكومة بشار الأسد خسرنا. من المسؤول عن هذا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ ألا يجب محاسبة المسؤول في محكمة عسكرية؟ بل يجب فعل ذلك قطعا. من المسؤول عن عنصر المفاجأة في الحرب؟ ماذا اهملنا ولم نفهم؟ من هم المذنبون؟ في مجال السياسة الخارجية نحن بحاجة الى تغيير النموذج السائد في سياسة البلاد الخارجية. السياسة الخارجية ليست مجال للاخلاق والمجاملة وتقديم النصيحة، بل هي مجال لحماية المصالح الوطنية”. وتابع بور: “اين كان وزير خارجيتنا ووزير خارجية روسيا ووزير خارجية تركيا ليلة سقوط دمشق؟”. حسنا، لقد كانوا في قطر وتحدثوا. ولكن ألم يدرك وزير خارجيتنا ان تركيا تخوننا؟ ألم يدرك ان روسيا تعقد صفقة؟ قلنا لهم كل ما نعرفه واعتقدنا انهم أصدقاء، لكن كل واحد منهم طعننا في ظهرنا. تحدثنا معهم عن طرق إبقاء بشار الأسد في الحكم. في الواقع قدمنا كل المعلومات لخصمنا. حققت انقرة غايتها. ارادت ان تكون سوريا الفناء الخلفي لها، وهذا ما كان. جاء الروس أيضا واحتلوا أوكرانيا. تم تركنا بدون سند. هذا هو الخطأ الاستراتيجي. الخطأ الاستراتيجي يعني اننا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم نعرف ان السيد بشار الأسد كان يسقط. خطأنا الاستراتيجي في سوريا هو اننا كنا موجودين في هذه البلاد، لكن لم يكن لنا أي نفوذ. لو كان لنا نفوذ لتمكنا من السيطرة على سوريا”.
هذا ليس الفشل الوحيد. فعندما سئل عما اذا كانوا قد اخطأوا في المبالغة في تقدير دعم روسيا والصين لإيران أجاب: “بذلت روسيا والصين كل الجهود في الأمم المتحدة. ولكن الساحة الدولية هي ساحة لتامين المصالح الوطنية، وتسعى روسيا والصين الى تامين مصالحهما الوطنية”، أي انهما لم تعملا على تامين مصالح ايران.
ان انتقاد السياسة الخارجية امر غير جديد، لكن عندما يتحدث بور الان عن الفشل والخسارة في سوريا، تفسر أقواله أيضا بانها انتقاد ضمني لعدم تعلم الدروس من طريقة إدارة الحرب في الخليج. ورغم انه لم يسأل مباشرة اذا ما كان النظام قد اخطأ في هذه الحرب وأين، الا انه هاجم التيار الراديكالي – الذي يعمل على افشال المفاوضات، ويعتبر وجوده تراجع عن المفهوم الأيديولوجي الذي يجب ان يوجه ايران، ويطالب بوقف كل الاتصالات. “هؤلاء المتطرفون، الذين اعرف أسماءهم، لا يكفي عددهم لملء حافلتين صغيرتين. لو تم حبس هؤلاء في بيوتهم في الغد، لكانت بلادنا قد تكلمت بصوت واحد. ولكن لا توجد إرادة للتعامل مع هؤلاء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لقد تسللوا الى كل الأجهزة في البلاد وهم يعرقلون تنفيذ أمور كثيرة”، اتهمهم.
لكنه يقر بعد ذلك بان هؤلاء المعارضين يتمتعون بنفوذ كبير من خلال السيطرة على وسائل الاعلام والشبكات الاجتماعية، وبالتالي، يخلقون حسب رأيه، الشعور بالقوة الذي يضاهي قوة الذين يدعمون تعزيز التحركات الدبلوماسية. ويختم قوله: “لا توجد صراعات على السلطة في ايران، بل اهمال”.
النتيجة العملية هي انه عندما يتحدث بزشكيان عن استعداد الإيرانيين للعودة الى مذكرة التفاهم، اذا فعلت الولايات المتحدة نفس الشيء، يطالب رئيس تحرير صحيفة “كيهان”، حسين شريعت مداري، المعين من قبل علي خامنئي، باستمرار الحرب. وأيضا يطالب بقطع خطوط الانترنت الممتدة في قاع الخليج بهدف اضعاف قدرة العدو.
توجد مشكلة أخرى تتفاقم في ايران لا تقتصر على قدرتها على الصمود الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشمل قدراتها على استغلال سيطرتها على مضيق هرمز لفترة طويلة. هذه الميزة ما زالت تعطيها نفوذ كبير. ورغم الزيادة الواضحة في وتيرة وكمية اخراج النفط من دول الخليج، حتى أصبحت تقترب من مستوى ما قبل الحرب، الا ان النقل البحري يحتاج الى حماية القوات الامريكية. وما زالت ناقلات النفط تتعرض للهجوم، كما ان جزء من الممر البحري ملغم، الامر الذي يضطر الولايات المتحدة الى اللجوء الى “أساليب ايران” كعمليات النقل من سفينة الى أخرى – لنقل النفط الى المنطقة الامنة. مع ذلك، في ظل غياب أي تحرك سياسي، لن يكون امام التهديد الإيراني الا مواصلة حرب الاستنزاف بدون ان تحصل طهران على المكاسب الاقتصادية المرجوة، التي تتمثل أساسا برفع العقوبات الاقتصادية، وفتح قنوات الاستثمار، وإعادة اعمار البلاد. يبدو انه حتى في ايران، بدأ الادراك يتشكل بان حالة الجمود، ليس اتفاق أو حرب، في حين ان النفط يتدفق عبر هرمز في كل الحالات، وفي نفس الوقت بدأت دول الخليج وعملاؤها في بناء بدائل، ستجبر الجمهورية الإسلامية على صياغة قرار سياسي في المستقبل القريب.
------------------------------------------
معهد بحوث الأمن القومي INSS - 4/9/2026
تركيا ليست إيران
بقلم: تامير هايمن مدير معهد دراسات الامن القومي الاسرائيلي، رئيس الاستخبارات العسكرية الاسبق
باختصار، تُعزّز تركيا نفوذها الإقليمي والدولي. إنها خصم استراتيجي يجب هزيمته، ولكن ليس عسكريًا. يجب ألا تُحوّل تركيا إلى عدو. يُعدّ الاتفاق مع اليونان لتزويد إسرائيل بقدرات دفاعية خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ولكنه غير كافٍ، لا سيما أنه يُفاقم التوتر القائم.
تُمثّل نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران فرصة لتركيا، يتم استغلالها ببراعة. فقد نشأت هذه الفرصة نتيجة لتضافر عدة عوامل: أولًا، يُمثل ضعف إيران والمحور الشيعي فرصةً لتعزيز العلاقات بين الدول السنية القوية وتشكيل تحالف سني مستقل. ثانيًا، على الرغم من ضعف المحور الشيعي، فإن الضرر الذي ألحقته إيران بدول الخليج أظهر هشاشةً تستدعي ردًا مستقلًا، وليس من الواضح على الإطلاق أن الولايات المتحدة تُشكل مظلة حماية كافية. بعبارة أخرى، فإن عدم هزيمة إيران على يد الولايات المتحدة، واحتمالية عدم استقرار الدعم الأمريكي على المدى الطويل، يُهيئان فرصةً لرد محلي مستقل بقيادة تركيا.
ولا تأتي محاولة القيادة التركية من فراغ. فتركيا متورطة عسكريًا في 13 دولة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتُدير أكثر من مئة قاعدة عسكرية في أنحاء المنطقة. كما أنها تُشارك في البحر الأحمر والخليج العربي، وتُوسع نفوذها في شمال إسرائيل ولبنان، وخاصةً في سوريا الخاضعة للشرع الإسلامي. تشارك تركيا أيضاً في غزة كجزء من شراكتها في “مجلس السلام”، لذا يبدو هذا من منظور عام وكأنه انتشار استراتيجي يهدف إلى تطويق إسرائيل، لكنه في الواقع استغلال لفرصة تتيح لها نفوذاً إقليمياً واسعاً – “العثمانية الجديدة”.
لقد عقد مؤخراً توقيع تحالف دفاعي جديد في الشرق الأوسط بين باكستان والسعودية (تحالف قديم) وتركيا. رحبت الولايات المتحدة بهذا التحالف، ربما بسبب النهج الذي يتبناه أنصار ترامب في إدارته، والذي يرى أنه كلما زاد عدد الدول التي تتحمل مسؤولية أمنها دون تدخل أو استثمار أمريكي، كان ذلك أفضل. علاوة على ذلك، ينظر ترامب إلى أردوغان كحليف مهم، ويُكنّ له تقديراً كبيراً على المستوى الشخصي – فهو قائد قوي وفاعل. يستغل أردوغان هذا التقارب لتعزيز موقفه في حلف الناتو، وفي مواجهة أوروبا، التي، رغم عدم قبولها انضمامه إلى الاتحاد، تسعى جاهدة لإرضائه نظراً لتأثيره السلبي على أوروبا (بسبب ملف المهاجرين).
المفاهيم التي نجحت مع إيران ستضرنا مع تركيا.
بعد السابع من أكتوبر، تبنت إسرائيل مفهومًا أمنيًا جديدًا، لا مجال فيه لإدارة المخاطر، والاتفاقيات الدولية غير ذات صلة، وتُهيمن فيه القوة والمسار العسكري على السياسة الخارجية الإسرائيلية. ولذلك، تنظر الحكومة الإسرائيلية إلى تركيا كتهديد. وبالفعل، هناك ما يدعو للقلق – فالقدرات العسكرية التركية مثيرة للإعجاب للغاية، ووجودها في الشرق الأوسط يُشكل تهديدًا، وتصريحات أردوغان هي الأسوأ على الإطلاق، ومع ذلك فإن استنتاج إدراج تركيا ضمن التهديد المُعلن خاطئ. يجب ألا تتحول تركيا إلى دولة عدو بحكم الأمر الواقع. سيكون هذا خطأً استراتيجيًا فادحًا.
تكمن المشكلة في خطر أن تحقق النبوءة ذاتيًا. وإليكم كيف يمكن أن يتطور الأمر: إذا صنّفت إسرائيل تركيا كتهديد اسمي، فسوف يستعد الجيش الإسرائيلي لمهاجمة تركيا (وهذا حق)، لأن الدفاع وحده لا يكفي. ستُرى تركيا هذا الاستعداد كتهديد، وستنظر في ردً على ذلك إلى إسرائيل كتهديد وجودي، مما سيؤدي إلى استعدادات تركية. ستكتشف المخابرات الإسرائيلية هذا الاستعداد، وستفسره على أنه تأكيد للتقييمات السابقة، والاستنتاج البديهي هو أن تركيا عدو. وهكذا، تبدأ حلقة تصعيد لا داعي لها.
تركيا هي دولة عضو في حلف الناتو، ولها سفارة في إسرائيل، وتخضع لنفوذ كبير من الدول الغربية، ومن حيث التصور، لا تُقارن بتهديد المحور الشيعي بقيادة إيران، وأي شخص يُجري هذه المقارنة لا يُدرك حجم التهديد الإيراني، بل يُقدم خدمة للإيرانيين.
لذا، يُستنتج أنه يجب تعزيز بناء قوة طويلة الأمد تُهيئ أساسًا متينًا لاحتمالية وجود تهديد تركي في المستقبل (النية هي الاستثمار في مجالات الاستخبارات، والقوة البحرية، وقدرات إطلاق النار من الدائرة الثالثة، وهي أمور ذات صلة بإيران وتركيا على أي حال). مع ذلك، يجب تجنب وضع تركيا كمرجع للتهديد في خطة الجيش الإسرائيلي متعددة السنوات. قد يبدو الفرق لفظيًا، لكن من حيث ميزانية الدفاع، وبرنامج التدريب، وتأثير هذا التعريف على التصور التركي للتهديد الإسرائيلي، فهو فرق شاسع.
ختامًا، لا يمكن تجاهل التحدي التركي، بل يجب التصدي له وتحييده بأسلوبٍ مدروس. ومن الأمثلة الجيدة على ذلك تعزيز العلاقات الدبلوماسية والدفاعية مع اليونان وقبرص، فضلًا عن تشجيع التعاون مع الهند التي تنظر إلى العلاقة بين باكستان وتركيا نظرةً جدية. لكن يجب ربط ذلك باستراتيجية أوسع نطاقًا لمنطقة شرق المتوسط والمحيطين الهندي والهادئ (الطاقة، والبنية التحتية، والنقل، وغيرها). أما في المجال الأمني، فإلى جانب بناء قوة متعددة المهام قادرة على الاستجابة لأي سيناريو خطير، تحتاج إسرائيل إلى الحفاظ على آلية لاحتواء التصعيد مع تركيا عبر حوار مباشر بين ممثلين إسرائيليين وأتراك. يجب تجديد العلاقات التجارية، فالإمكانات لا تزال قائمة رغم المقاطعة التركية. وفيما يتعلق بالقضية السورية، يجب عدم زيادة الخطوط الحمراء الإسرائيلية بما يحد من مرونة إسرائيل. سيتم دراسة كل حالة على حدة، ويجب ألا نكرر الاستراتيجية المتبعة ضد الترسخ الإيراني في سوريا في مواجهة الترسخ التركي، كما يجب ألا نكرر مفاهيم “المحور السني” و”دائرة النار” وغيرها. هذا تهديد يتطلب جهداً سياسياً مدعوماً بأجهزة استخبارات متخصصة، لا جهداً عسكرياً، لدحره.
------------------------------------------
معاريف 4/9/2026
الثنائي المرح المسلم واليهودي اللذان سيغيران الدولة
بقلم: نحمان شاي عميد معهد القيادة اليهودية في القدس، وزير الشتات والناطق العسكري سابقا
معظم الجمهور لا يعرف يوآف سيغلوبيتش وبالتأكيد لم يسمع عنه حتى وقت أخير مضى. صحيح أنه كانت له حياة مهنية مبهرة في الشرطة وبعد ذلك في الكنيست بل وحتى في الحكومة كنائب وزير لكن 98 في المئة من أصل 100 إسرائيلي يلتقونهم في الشارع كانوا سيهزون الكتف ويقولوا “لا نعرفه”. الان يعرفونه اكثر ولكن بالتأكيد ليس الجميع. سيستغرق هذا الكثير من الوقت الى أن يتعرف عليه معظم الجمهور.
كضابط كبير في الشرطة كان هذا لا بد اقل أهمية، لكن للسياسة هذا هام جدا. فهو لا يمكنه ان يحقق أهدافه اذا لم يكن لديه مستوى عال من المعرفة الجماهيرية، وكما أسلفنا، من الان فصاعدا هذا اكثر أهمية.
الفعل الذي قام به سيغلوبيتش هذا الأسبوع مع كل التحفظات، علامات الاستفهام، دعوات النجدة واشارات التحذير– يدخله منذ الان الى التاريخ السياسي لدولة إسرائيل. تماما هكذا. إسرائيلي، يهودي، انضم بارادته الى قائمة عربية، إسلامية، ويصبح على نحو شبه مؤكد نائبا عنها بعد ثلاثة اشهر.
التقيت سيغلوبيتش لأول مرة عندما شغل منصب نائب وزير الامن الداخلي عومر بارليف في وزارة الامن الداخلي، في ما كان يسمى حكومة التغيير. لهذا الثنائي بارليف – سيغلوبيتش جلب المعرفة العميقة للشرطة حيث شغل في منصبه الأخير حتى العام 2017 كقائد قسم التحقيق والمباحث. هو الرجل الذي اقام وحدة الشرطة الخاصة “لاهف 433” وادار من هناك بضعا من التحقيقات الشهيرة وذات الاهتمام في السنوات الأخيرة. قاتلت الوحدة بعناد وثبات الفساد والجريمة المنظمة، وبذلك ثبت مكانته المهنية. مع “سجل” كهذا، فان ادراجه في وزارة الامن الداخلي، وبخاصة في الصراع المشترك والمصمم لبارليف وله ضد الجريمة المنظمة في المجتمع العربي وبالتزايد المفزع لجرائم القتل والعنف – كان طبيعيا وحيويا.
معا نجح الاثنان في ان يوقفا الارتفاع في مديات القتل بل وحتى تخفيضها. وقد فعلا ذلك في تداخل ذكي وحكيم لوسائل اقتصادية، قضائية، شرطية واستخبارية والنتيجة بالفعل أدت الى انخفاض في الرسم البياني للجريمة. مكانهما احتله كما هو معروف وزير الامن القومي (“الداخلي” لا يكفي) ولديه استؤنف “الاحتفال”، اتسع وتجاوز كل الحدود، سواء في المجتمع العربي أم في المجتمع اليهودي. الجريمة المنظمة، الخاوة والعنف اجتاحت كل نحب وصوب، و “الحوكمة” في الشمال وفي الجنوب أصبحت نكتة حزينة وأليمة.
كل هذا ويا للعجب ليس فقط لم يمس سياسيا ببن غفير بل عزز قوته كحزب مستقل ليس متعلقا بالشركة مع آخرين يغمز لحزب الليكود الذي يبدو الى جانبه معتدلا وساذجا ويقضم منه.
حطم الاجماع
نعود الى سيغلوبيتش. مع نهاية ولاية الكنيست الـ 25 يقود خطوة عاصفة مع عباس لادراجه في المكان الثاني في قائمة الموحدة. هذه الفكرة تبدو سطحيا مجنونة وبخاصة الان بعد 7 أكتوبر، وعلى خلفية حقيقة ان كل الأحزاب تقريبا، سواء في الائتلاف ام في المعارضة تعلن بشكل صريح وعلني بان في ائتلافيها المستقبلي لن يكون حزب عربي. يحتمل أن يكون لهذا السبب بالذات اجتاز سيغلوبيتش الخطوط وارتبط بحزب عربي. فهو يحطم هذا الاجماع الوطني.
وللدقة التاريخية ينبغي الإشارة الى أن في الماضي خدم أو يخدم في الكنيست كنواب في حزب عربي – يهودي مشترك تمار جوجنسكي، دوف حنين وعوفر كسيف. لكن هذا لا يشبه حالة سيغلوفيتش. فهو ينضم الى حزب عربي يكلف نفسه بمعنى ما ليناسبه. لكن هذا الحلف لا يزال عربيا بكل معنى الكلمة. هذه هي الفرادة، هذا هو الاختلاف، وهذه هي الشجاعة في هذا الفعل.
يعرف سيغلوبيتش بانه ينطلق الى طريق صعب. سيهاجمونه (ضدنا جسديا، لعلم القاريء دافيد زيني)، سينتقدونه، سيشهرون به وسيقولون عنه كل أنواع الأمور. افترض انه في طريقه الهادئة والواثقة اخذ هذه المخاطر بالحسبان وقرر أن يبحر مع ذلك الى طريق جديد.
من يقرأ عن عمله في الكنيست يرى منذ الان علائم مبكرة لهذا الفعل. فقبل ان يرتبط بالموحدة كان رئيس اللوبي لمكافحة الفساد السلطوي والعنف في المجتمع العربي، اكثر من زيارة البلدات العربية وفي النهاية عرض في مدينة الطيبة – الى جانب يئير لبيد – خطة يوجد مستقبل للقضاء على الجريمة والعنف في المجتمع العربي. كان هذا “الجنون”، ربما التفرد. فمن يرغب في أن يدخل رأسا سليما الى سرير مريض، مريض جدا.
تصرف سيغلوبيتش بشكل نزيه تجاه حزبه. استقال منه دون وحدة التمويل خاصته، والتي تساوي الكثير من المال، وانضم الى الموحدة، الى عباس منصور. عباس وسيغلوبيتش هما ثنائي يحدثان معا الان التغيير العظيم في السياسة، تغيير سيفهم، كما آمل مع الزمن، والذي معناه هو اندماج وتعاون بدلا من شرخ، استقطاب وحرب ابدية.
قطاف بينيت ولبيد
عباس كان العنصر الذي قفز الى الماء في الحكومة الـ 36. بعد أن “شرعنه” بنيامين نتنياهو وحاول إقناعه بدعم ائتلافه، ازيل الحظر وكان نفتالي بينيت ويئير لبيد هما من اقتطفا “الثمرة” السياسية واقنعاه بالانضمام الى ائتلاف. صحيح ليس للحكومة – لكن الى الائتلاف. بمعونته حصلا على الأغلبية اللازمة لاقامة حكومة جديدة.
رفاقه في المعسكر العربي غضبوا منه، انتقدوه، هددوه وفي النهاية ساعدوا أيضا على اسقاط الائتلاف معه. اما اليوم فهم يعترفون ويندمون على هذه الفعلة. ولكن بعد فوات الأوان. عباس كان شريكا في الحكومة ووضع في رأس أولوياته المجتمع العربي. حصل على ميزانيات كبرى، ما زاد الكراهية تجاهه لدى خصومه السياسيين. لكنه لم ينجح في صرف الميزانيات بسبب الولاية القصيرة للحكومة.
سيغلوبيتش يكمل في خطوته القرار التاريخي لعباس. فهو مستعد لان ينضم الى كتلة عربية ويرى في ذلك خطوة هامة لدمج يهودي عربي. هو ليس وحيدا، فالكثير من الإسرائيليين يرون كيف انه في الحياة اليومية في دولة إسرائيل توجد حياة مشتركة بين اليهود والعرب، وهم يؤمنون أيضا بان هذه الشراكة يمكن نقلها الى الساحة السياسية.
سيغلوبيتش ضرب المستشفيات كمثل. هناك، في هذا المكان قال، ينزع الناس هويتهم الخارجية وكلهم يصبحون وحدة واحدة من المعالجين ومتلقي العلاج. الصحة هي في رأس سلم الأولويات. وهكذا تختفي الهويات الأخرى وكأنها لم تكن.
سيغلوبيتش وعباس ينقلان صيغة المستشفى الى الساحة العامة. بالمناسبة، هذه فكرة لا بأس بها على الاطلاق، هي أخرى بحاجة الى اشفاء سريع. وهما يعتقدان انه سيكون ممكنا العمل معا. اذا كانت توجد – وتوجد! – اهداف مشتركة – يمكن ان توضع جانبا سياسة الهويات، والفهم بانه في هذه البلاد الجميلة والصعبة يعيش شعبان في دولة واحدة إسرائيلية – صهيونية – يهودية.
عباس وحزبه أعربا منذ الان عن موافقة عالمية وعملية لان يكونا جزءا من هذه الدولة. سيقاتلان فيها من اجل حقوقهم لكنهم يعرفون بان هذه دولة ديمقراطية ويهودية. سيغلوبيتش يقود الإسرائيليين الى الاعتراف بان هذا هو الطريق الوحيد للعيش بسلام وتفهم.
لا ادري ماذا سيحصل. فهل بالفعل الموحدة في صيغتها الجديدة وفي قيادتها ذات الرأسين ستحدث التغيير؟ يستغرق وقتا لاحداث تغييرات، وفي الطريق اليها يدفع الناس ثمنا باهظا – أحيانا سياسيا، أحيانا آخر. لكن لكل بداية توجد خطوة واحدة أولى، وبدون الخطوة الأولى لن تكون أيضا الثانية والثالثة.
سيغلوبيتش وعباس اتخذا هذا الأسبوع الخطوة الأولى.
------------------------------------------
هآرتس 4/9/2026
المذبحة حسب نتنياهو صيغة محدثة
بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس
سواء كان هذا قرار انتخابي مدروس أو مجرد دافع لا يقاوم، يصمم رئيس الحكومة وحاشيته على الاستمرار في تناول قضية مذبحة 7 أكتوبر بطريقة من غير المرجح ان تجلب لحزب الليكود ناخبين إضافيين. قبل اقل من شهرين على الانتخابات، عاد بنيامين نتنياهو للحديث عن المذبحة بشكل شبه يومي. وفي حين يكافح رئيس الحكومة وزوجته ومستشاروه والمتحدثون باسمه لتقديم رواية متماسكة ومقنعة لسلوكه في قضية المذبحة (أو قبلها، أو في الساعات الأولى التي أعقبت اقتحام حماس لبلدات الغلاف)، فان تفسيراتهم تنزلق الى نظريات المؤامرة والخداع.
وقد نشر افيشاي غرينسايغ آخر الاخبار المثيرة في هذه القضية في قناة “آي 24 نيوز” في الأسبوع الماضي. ويخلق التحقيق في القضيتين اللتين يشتبه في تورط مستشارين كبار في مكتب رئيس الحكومة فيهما، تسريب المعلومات لصحيفة “بيلد” الألمانية والحصول على الأموال القطرية، دوائر ثانوية متزايدة على ضوء محاولات المستشارين القاء اللوم على بعضهم البعض. وكشف غرينسايغ عن مراسلات توضح كيف كان المقربون من نتنياهو يركزون على حماية صورته في الساعات التي أعقبت المجزرة وعلى اشعال فتيل المواجهة بين وزير الدفاع في حينه يوآف غالنت ورئيس الأركان في حينه هرتسي هليفي خلال الحرب.
اثارت المراسلات التي نشرها نتنياهو، والتي دعا فيها المستشار ب. والمستشار أ. الى وجبة عشاء بجانب بركة السباحة في فيلا احد الأصدقاء في 12 تشرين الأول، غضبا شديدا في الشبكات الاجتماعية. وردا على ذلك روى صحافيون وجنود احتياط وسياسيون وأهالي ضحايا احداث تلك الساعات الصعبة، عندما كانت كل البلاد ما زالت تعيش حالة صدمة، وكان الجيش الإسرائيلي ما زال يبحث عن آخر الإرهابيين المحاصرين.
وكأن هذا النشر لم يكن كاف لالحاق الضرر به، سارع نتنياهو الى الظهور في برنانج القناة 14 في هذا الأسبوع وقدم روايته المحدثة لاحداث ليلة 6 – 7 أكتوبر. ووفقا له فان كبار مسؤولي الجيش الإسرائيلي والشباك الذين تلقوا معلومات استخبارية مقلقة كثيرة في الساعات التي سبقت اقتحام حماس، لا سيما قضية شرائح الاتصال الإسرائيلية المزروعة في هواتف أعضاء حماس، تعمدوا عدم اطلاعنا على آخر المستجدات.
قال نتنياهو ان هذا الاجراء اتخذ لتجنب “سوء تقدير” من جانبه مشوها بذلك التفسير الأصلي الذي قدمه رئيس الشباك في حينه رونين بار. تحدث رئيس الشباك عن مخاوف من تصعيد الموقف نتيجة سلسلة من سوء الفهم: سيعزز الجيش الإسرائيلي دفاعه بسبب شكوك خاطئة بان حماس على وشك الهجوم، وستخشى حماس من ان يشن الجيش هجوما عليها فتطلق الصواريخ، وبالتالي سينشب صراع آخر. لم يشر بار اطلاقا في النقاشات الى ضرورة كبح جماح نتنياهو المزعوم.
يقدم رئيس الحكومة روايته الخاصة للمسالة: على المستوى المهني لم يطلعوه على آخر المستجدات لانهم خافوا من ان يجبرهم على التحرك، ويرى ان هذا هو التبرير النهائي. فلو ايقظوه لكان من البديهي ان يامر باتخاذ سلسلة من الإجراءات في وقت مبكر، ولكان تم تجنب المذبحة. بعد ذلك تحدثت زوجته في نفس القناة، وكعادتها نشرت تلميحات تشير الى المؤامرة، بدءا بتعمد عدم ايقاظ زوجها وانتهاء بادعائها ان الجنرال المتقاعد يئير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين، كان على علم مبكر بالغزو، ولهذا وصل الى الغلاف في غزة في صباح 7 أكتوبر وهو يرتدي الزي العسكري.
في الأيام التالية رفض كبار المسؤولين في حزب الليكود، بما في ذلك وزير الدفاع إسرائيل كاتس، استبعاد نظرية “الخيانة من الداخل” عند سؤالهم عنها، وكان هذا متعمدا. فحملة الليكود الانتخابية تعتمد على التلميحات والايحاءات، التي تخفي وراءها اتهامات لا أساس لها من الصحة.
تضاف هذه الأمور الى الأكاذيب والافتراءات التي نشرتها عائلة نتنياهو وأعضاء الكنيست من الائتلاف الحاكم خلال ثلاث سنوات (بعضهم مثل تالي غوتلب وصل الى مكانة مشبوهة بفضل جهودهم الشخصية). هكذا ولدت قضية “الجاسوس في قيادة المنطقة الجنوبية”، وقضية “الرجل ذو القميص الأزرق”، والاكاذيب حول اجتماعات مزعومة بين حماس وكبار المسؤولين في الشباك عشية المذبحة. لم يكن لأي من هذه القصص أي وجود وتم اختلاقها، كما يعرف نتنياهو وزوجته جيدا. هذه قصص مختلقة بعد المذبحة نتيجة الضغوط التي تعرضت لها الحكومة، لكن هذه الأكاذيب تنتشر. تظهر الاستطلاعات انه تقريبا نصف ناخبي الليكود يصدقونها، وأيضا الكثير من الناخبين الشباب.
ثلاث ساعات مفقودة
خط دفاع نتنياهو واهن، أولا، بالنظر الى الماضي – في ضوء المعلومات التي تراكمت، والتي علق بعضها في أجهزة الاستخبارات – كان ينبغي تنبيه نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالنت. ولكن هل كان ذلك سيغير أي شيء؟. خلال سنوات حكمه الطويلة لم يتخذ نتنياهو أي مبادرة خاصة، ونادرا ما تدخل في حالات الإنذارات الاستخبارية المستعجلة، الا اذا شجعه المسؤولون الامنيون على ذلك.
في تلك الليلة المشؤومة، أدى التقييم الخاطيء من قبل كل المسؤولين في الاستخبارات المعنيين الى عدم ادراك أهمية التحذيرات الحقيقية. كان نتنياهو نفسه ينشغل في حينه للترويج الى احدث الخطوات نحو التطبيع مع السعودية، بواسطة إدارة جو بايدن في الولايات المتحدة. وفي نقاش مع كبار المسؤولين الأمنيين في 1 تشرين الأول أوضح بان هذا الامر يعتبر اولويته القصوى. وحذر من محاولة “الدول والمنظمات” منع إسرائيل من تحقيق هدفها الدبلوماسي. وعندما كرر رونين بار توصيته باغتيال قيادات حماس في قطاع غزة، رفضها نتنياهو مجددا.
ثانيا، تقع على عاتق نتنياهو مسؤولية شاملة عن هذا التقصير، ولا يمكن اعفاءه من المسؤولية في ضوء دور المشاركين في المشاورات الفاشلة التي جرت في الليل. حكم نتنياهو إسرائيل مدة 13 سنة من اصل الـ 14.5 التي سبقت المذبحة، منذ الفوز في انتخابات 2009. كان نتنياهو هو الذي قرر ونفذ سياسة الاحتواء الطويلة ضد حماس في قطاع غزة، واستغلالها كاداة في اطار سياسة “فرق تسد” ضد حكم السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، والموافقة الإسرائيلية على تدفق 30 مليون دولار في الشهر من قطر الى غزة، التي استخدم جزء كبير منها (بمعرفته) من قبل الجناح العسكري لحماس.
خلال سنوات قيادته عملت حماس وحزب الله بجدية على تعزيز قوتهما العسكرية. وكان نتنياهو متردد في خوض حرب متعمدة لإزالة هذا الخطر، ولعل خطأه الأكبر يكمن في تجاهله المنهجي لتحذيرات جهاز الامن والاستخبارات الإسرائيلية والشباك، بشان انفجار وشيك في الشرق الأوسط في ظل الازمة الداخلية في إسرائيل التي أعقبت الانقلاب، وادراك المحور الراديكالي بقيادة ايران ان إسرائيل أصبحت اضعف واكثر انقساما واكثر عرضة للخطر مما كانت عليه في السابق.
ثالثا، لم يكن نتنياهو دقيق حتى في وصف احداث تلك الليلة. فقد نقلت الاستخبارات العسكرية معلومات مرتين في الليل، في الثانية وفي الرابعة فجرا، الى السكرتاريا العسكرية في مكتب رئيس الحكومة ومجلس الامن القومي. وفي محادثة جرت في الساعة الرابعة فجرا تقريبا، ايقظوا مسؤول المخابرات في السكرتاريا وهو ضابط برتبة مقدم. بكلمات أخرى، بدرجة كبيرة بقيت المعلومات في يد نتنياهو حتى لو كانت مع العسكريين الذين يعملون تحت امرته. وفي الساعة 6:29 عندما اطلقت مئات الصواريخ على إسرائيل دفعة واحدة، ايقظ السكرتير العسكري، اللواء آفي غيل، نتنياهو في منزله الخاص في قيصاريا. ويظهر تسجيل المحادثة ارتباك واضح. سال نتنياهو: “لماذا يطلقون النار؟”، ولعل هذا ما دفع رجاله لاحقا الى محاولة طمس الحقائق وربط هذه المحادثة بمحادثة ثانية كان اكثر تركيزا فيها، جرت في الساعة 6:40 (حسب بيان مكتب رئيس الحكومة الليلة السابقة جرت هذه المحادثة في الساعة 6:44). ولكن حتى في المحادثة الثانية لم يصدر نتنياهو الا تعليمات عامة بشان خطوات كانت قد بدأت بالفعل (تعبئة الاحتياط، الغارات الجوية، دراسة خيارات اغتيال). اما الاجتماع الأول الذي ترأسه فقد عقد في مقر هيئة الأركان في الكرياه (مقر وزارة الدفاع) في تل ابيب في الساعة 9:45. هناك ثلاث ساعات مفقودة، لا توجد خلالها أي وثائق لمحادثاته مع غالنت أو هليفي أو بار (قال نتنياهو الليلة الماضية انه تمكن من التحدث مع وزير الدفاع آنذاك في تلك الساعات).
في وقت لاحق في نفس اليوم سجلت مكالمة هاتفية له مع رئيس وزراء هولندا، ولم يتضح ما الذي تم التوصل اليه. أيضا ظهر مقطع فيديو مذعور صوره في الكرياه، ابلغ فيه المواطنين باننا في حالة حرب. ما هو اسهامه تحديدا في اليوم الأول؟. وفقا لملخصات النقاشات التي سربت، لا يبدو انه كان له أي دور يذكر. ادلى كل من غالنت والوزير غادي ايزنكوت الذي انضم الى مجلس الحرب في 11 تشرين الأول، بشهادتهما ان رئيس الحكومة ظهر في حالة ذهول لعدة أيام.
في الأسبوع الماضي، بعد ان عادت بذور المؤامرة الى الظهور وحصلت على رواج واسع تراجع نتنياهو عن نظرية الخيانة، لكن في الحقيقة ما زال هو وحاشيته يتداولون هذا الادعاء لاغراضهم الخاصة. قبل يومين قام رئيس الحكومة بزيارة الى قطاع غزة، حيث التقط صورة وهو ينظر الى الأنقاض المحيطة، ووجه هجوما على منافسه ايزنكوت، الذي زعم انه سيكون ضعيف امام حماس وسينسحب من القطاع. تعهد نتنياهو بعدم مغادرة القطاع ومواصلة العمليات حتى يتم نزع سلاح حماس بالكامل، وهو هدف كان قد قال في مناسبات أخرى في هذا الأسبوع انه على وشك تحقيقه. وكالعادة، كان الجنود والضباط خلفية لفيديو دعاية له ضمن حملة الليكود. وامتنعت لجنة الانتخابات المركزية عن التدخل.
وقد نشر حزب الله مؤخرا فيلم فيديو مدته خمس دقائق يوثق هجمات المسيرات على جنود الجيش الإسرائيلي في لبنان. مشاهدته تجربة مؤلمة وتكشف عن مدى انكشاف الجنود وضعفهم امام هجمات المسيرات، التي يصعب اكتشافها تقريبا بواسطة أجهزة المراقبة والرادار حتى اللحظة الأخيرة، ولا يمكن اسقاطها باستخدام الحرب الالكترونية.
نشر الباحث الفرنسي كليمان مولان استنتاجاته من الفيديو على شبكة “اكس”، وكتب ان الحرب في أوكرانيا بدأت قبل اربع سنوات ونصف، بينما بدأت الحرب الحالية ضد المسيرات في 2023. وتساءل: “الم يتوقع الإسرائيليون ذلك؟ عندما تشاهد في الفيديو هذا العدد من أنظمة الدفاع الجوي المنتشرة في الخارج بدون أي شبكة حماية، والجنود في مجموعات من 10، والمركبات غير المجهزة باي وسائل حماية ضد المسيرات، لا يمكنه الا ان تتساءل عما اذا كانوا يتابعون الحرب في أوكرانيا أصلا. ونحن نتحدث هنا عن حزب الله، وهي منظمة مسلحة اطيح بقيادتها في 2024، وتواجه دولة تمتلك احد افضل الجيوش في العالم”.
وقد سئل مسؤول كبير في الجيش عن هذا الامر في هذا الأسبوع فاكد صحة هذه الادعاءات، واعترف بقوله “نحن متأخرون جدا عن الجدول الزمني، فقد بدأنا العمل على هذا الامر بشكل متأخر”، وأضاف بان الامر سيستغرق بضعة اشهر أخرى قبل ان تتمكن إسرائيل من صياغة استجابة عملياتية افضل لتهديد الطائرات المسيرة.
-------------------------------------------
هآرتس 4/9/2026
إسرائيل: “طحالب إرهابية” بتنسيق مع المجاري القادمة من قطاع غزة
بقلم: أسرة التحرير
وقفت دولة إسرائيل في الآونة الأخيرة أمام أزمة بيئية غير مسبوقة. فتدفق مفاجئ لطحالب ميكروسكوبية عكرت مياه البحر المتوسط وعطلت 5 من أصل 6 منشآت تحلية يعتمد عليها اقتصاد الماء الإسرائيلي. سلطة المياه وشركة مكوروت بدأت بإغلاق الماء عن المزارعين في الجنوب، واتحادات الماء المدينية بدأت ترسل بلاغات عن توقف متوقع للماء. إضافة إلى ذلك، أوقفت إسرائيل بشكل مؤقت ضخ الماء إلى قطاع غزة، ما أثر سلباً على مئات آلاف الناس الذين حتى بغير هذا يعانون من نقص خطير في الماء.
صحيح أن المشكلة لم تحل بعد حتى ساعة كتابة هذه السطور. يبدو أن سلطات الماء ستضطر لنهل الماء من بحيرة طبريا ومن الحوض الجوفي للشاطئ، وهما مصدران للماء تحت الخط الأحمر.
العلماء لا يعرفون كيف يفسرون ما هي الأسباب الدقيقة لتدفق شاذ لهذه الطحالب. لا شك أنه بدأ من منطقة دلتا النيل وارتفع شمالاً إلى شواطئ دولة إسرائيل. ثمة افتراض بأن تدفق الطحالب ازداد بسبب كميات كبيرة من مياه المجاري التي تضخ إلى مياه البحر الأبيض المتوسط من قطاع غزة. وسبب ذلك، أن الجيش الإسرائيلي دمر في أثناء الحرب منشآت تطهير النفايات وأنبوب المجاري في القطاع.
منذ وقف النار وإسرائيل ترفض السماح لمنظمات إنسانية دخول القطاع لإدخال عتاد آلي ومولدات وأنبوب ومنظومات كهربائية لغرض استئناف عمل منشآت التطهير. الثمن يدفعه سكان القطاع الذين يعيشون في محيط ملوث وخطير، لكن إسرائيل هي الأخرى تدفع الثمن. التفكير في أن نحو مليوني نسمة في القطاع يعيشون بين الأنقاض ويضخون مياه المجاري الخام إلى البحر دون أن يؤثر هذا عليها – هو تفكير بلا أساس. مثلما في كل موضوع، لم تفكر حكومة نتنياهو إلى الأمام، ولم تفهم معاني الخراب الذي توقعه الدولة على غزة.
إضافة إلى ذلك، كشفت أزمة الطحالب هشاشة اقتصاد الماء الإسرائيلي الذي أداره وزير الطاقة إيلي كوهن وأسلافه بلا أي مسؤولية. فقد تجاهل كوهن توصيات الخبراء بتسريع إقامة منشآت تحلية إضافية والحرص على مخزونات الماء القومية في بحيرة طبريا والحوض الجوفي في الشاطئ. فضل الوزير سياسة شعبوية، وفرت على الاقتصاد المنزلي بضع عشرات الأغورات في الشهر.
لقد تأثر تدفق الطحالب بعنصر إضافي: درجة حرارة الماء في البحر الأبيض المتوسط. فدرجة حرارة الماء العالية في السنوات الأخيرة نتيجة مباشرة لأزمة المناخ؛ أزمة تتجاهلها الحكومة. ليس للعلماء لا شك بأن الخطر سيحتدم في العالم بأحداث تدفق مشابه وأخطر. حكومة لا تعمل على إعداد اقتصاد الماء لأحداث كهذه تخون مهامها وتترك مواطنيها لمصيرهم.
----------------انتهت النشرة-----------------