الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاربعاء 22/7/2026 العدد 1667

 الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

                             

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 22/7/2026

سباق الـ 216 مليار دولار: الاقتصاد السوري وجهود إعادة الإعمار في عهد الشرع

بقلم: د. نوعام بنشتوك وكارميت فالنسي

بعد عام ونصف من سقوط نظام الأسد، تواجه سوريا تناقضات عميقة: فعلى الصعيد الخارجي، حققت حكومة أحمد الشرع إنجازات دبلوماسية هامة، تمثلت في تزايد الاعتراف الإقليمي والدولي، وموجة من التزامات الاستثمار من دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة وأوروبا. أما على الصعيد الداخلي، فالوضع أكثر قتامة: إذ تعاني سوريا من توترات عرقية، وتهديدات أمنية، وانقسامات أيديولوجية، وأزمة اقتصادية حادة باتت تشكل مصدراً رئيسياً للضغط الاجتماعي والسياسي على الحكومة الجديدة. يتجلى هذا التناقض أيضًا في كل ما يتعلق بعملية إعادة الإعمار. فمن جهة، تقف سوريا عند نقطة انطلاق فريدة: فقد أعادت تموضعها في المنطقة، ومن منظور جيوسياسي، بدأت في تعزيز مبادرات لتحويلها إلى محور لوجستي استراتيجي لعبور البضائع والطاقة، في ظل التهديدات على الممرات البحرية في منطقة الخليج. ومن جهة أخرى، تواجه سوريا العديد من الصعوبات، بما في ذلك اقتصاد منهار ومؤسسات معطلة. وستحدد قدرة سوريا على بناء بنية تحتية متينة للنمو الاقتصادي، وليس فقط لاستيعاب الاستثمارات، مصير اقتصاد البلاد، وإلى حد كبير، استقرارها في السنوات القادمة.

الأزمة الاقتصادية وتداعياتها – لمحة سريعة

يعاني الشعب السوري، الذي صمد نحو 13 عامًا من الحرب الأهلية، من ضغوط اقتصادية هائلة. ينبع السخط الشعبي بشكل رئيسي من ارتفاع أسعار الكهرباء، وضعف الليرة السورية (التي تُقدّر بنحو 14.000 ليرة سورية للدولار)، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة حصول الأسر على الغذاء.

وتُظهر البيانات المتعلقة بسوريا حجم الأزمة الناجمة عن الحرب الأهلية. فقد انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي قُدّر بنحو 1.550 دولارًا أمريكيًا في عام 2011، إلى 670 دولارًا أمريكيًا في عام 2022، وهو آخر عام تم فيه قياسه، أي بانخفاض يزيد عن 50 في المئة. كما انخفض معدل من أنهوا المرحلة الابتدائية من حوالي 100 في المئة في عام 2011 إلى حوالي 62 في المئة في عام 2023. وفي حين أن معدل البطالة الرسمي في سوريا 13 في المئة “فقط”، صرّح وزير الاقتصاد والصناعة السوري، نضال الشعار، في عام 2025 بأن الرقم الحقيقي أقرب إلى 60 في المئة.

وفي تقرير نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار أمريكي. للمقارنة، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لسوريا في عام 2011، أي قبل الحرب بعام، 67 مليار دولار. بعبارة أخرى، حتى في ظل اقتصاد ما قبل الحرب، ولو استُثمرت كل ليرة سورية بالكامل في إعادة الإعمار (وليس، على سبيل المثال، في الغذاء أو الاستهلاك)، لكان الأمر سيستغرق أكثر من ثلاث سنوات لإصلاح الأضرار الناجمة عن الحرب. تُظهر استطلاعات الرأي العام لعام 2026 تأثير الوضع الاقتصادي على الدعم الشعبي للحكومة. ففي شباط، اعتقد 63 في المئة من السوريين المستطلعة آراؤهم أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح. ولكن بحلول نيسان، انخفضت هذه النسبة إلى 13 في المئة فقط ممن يعتقدون أن الحكومة تبذل ما يكفي لمواجهة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة. وخلال الفترة نفسها، تراجعت أيضًا نسبة الشعور بالأمن الشخصي من 67 في المئة إلى 38 في المئة. وأصبحت الصعوبات الاقتصادية، وليس مجرد الأيديولوجية أو الأمن، هي المعيار الأساسي الذي يُقيّم السوريون من خلاله حكومتهم.

وفي نيسان، صرّح المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، لمجلس الأمن بأنّ تدهور الأوضاع الاقتصادية يُؤجّج الاضطرابات الاجتماعية، وأكّد على أنّه بدون حكم شامل للجميع، وعدالة انتقالية ذات مصداقية، ودعم دولي، سيظلّ الاستقرار هشّاً.

لقد اتخذ النظام السوري، الذي يخشى تقويض استقراره في هذا السياق، سلسلة من الخطوات الرامية إلى تخفيف الضغط الشعبي. ففي كانون الثاني، تقرّر تسريع تغيير العملة وحذف صفرين من الليرة لتسهيل المعاملات وإرساء عملية إصلاح اقتصادي من شأنها تعزيز ثقة الشعب. وفي وقت لاحق، وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع مراسيم رئاسية بزيادات كبيرة في الأجور في القطاع العام، بما في ذلك الصحة والتعليم والدين والمالية، بهدف تحسين الظروف المعيشية. في الوقت نفسه، قدّم وزير المالية محمد برنية إصلاحًا ضريبيًا شاملًا، يتضمن إعفاءً كاملًا من ضريبة الدخل لذوي الدخل المنخفض (الذين يقل دخلهم عن 640 ألف ليرة سورية سنويًا، أي ما يعادل 4600 دولار أمريكي تقريبًا)، وفرض ضريبة شراء بنسبة 5 في المئة، باستثناء السلع الأساسية كالغذاء والدواء والخدمات التعليمية، وذلك لمنع استمرار تآكل القدرة الشرائية للفئات الأقل حظًا. كما تقرر زيادة المعاشات التقاعدية في القطاع العام بنسبة 30 في المئة. وأفاد برنية بأن المعاشات التقاعدية في سوريا ارتفعت بمعدل 56 في المئة تقريبًا خلال العام الماضي، وهي خطوة تعكس رغبة الحكومة في زيادة الإنفاق العام لدعم الفئات الأقل حظا.

وأشار اقتصاديون علّقوا على هذه الخطوة، التي تهدف أساسًا إلى تخفيف أعباء المعيشة وتحسين القدرة الشرائية، إلى ضرورة أن تترافق زيادات الأجور مع إصلاح حقيقي في القطاع العام، وذلك من خلال تحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ومعالجة المشكلات الإدارية، ورفع الكفاءة. فزيادة الأجور وحدها لا تكفي، بل يتطلب الأمر رصدًا ومتابعةً لأداء موظفي القطاع العام لضمان تحقيق نتائج ملموسة.

ومن النقاط الأخرى التي تثير قلق الاقتصاديين، تدخل الحكومة في دعم السلع الأساسية وشراء المنتجات. فالحكومة السورية في مأزق: فمن جهة، يتزايد الضغط الشعبي للمطالبة بالدعم والمساعدات لتخفيف معاناة المواطنين. ومن جهة أخرى، قد يُوقع التدخل الحكومي المفرط في الاقتصاد سوريا في فخ الحكومات التي تراكمت عليها الديون بسبب دعم السلع الأساسية، لكنها عاجزة عن التوقف خوفًا من رد فعل شعبي، كما حدث في مصر.

لقد تجلّى هذا التوتر في موجة الاحتجاجات التي اندلعت في أيار 2026 في المناطق الزراعية الوسطى بسوريا (الحسكة، والرقة، ودير الزور، وريف حماة) احتجاجًا على تحديد الحكومة سعر شراء القمح بـ 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن (حوالي 330 دولارًا أمريكيًا). عارض المزارعون ورؤساء نقاباتهم السعر الرسمي، واصفين إياه بالقمع الذي لا يتناسب مع الجهد المبذول في أهم محصول في البلاد. وأشار المحتجون إلى سخافة اختيار الحكومة طباعة صورة سنبلة القمح على فئة 500 ليرة الجديدة كرمز للثروة الوطنية، بينما هي في الواقع تُرسّخ سياسة خانقة لا تُمكّن المزارعين من تحقيق الاكتفاء الاقتصادي.

… استجابةً لهذه القضية، واستجابةً لغضب المزارعين، قرر الرئيس السوري، بموجب مرسوم رئاسي، منح الحكومة 9000 ليرة سورية إضافية (حوالي 80 دولارًا أمريكيًا) عن كل طن من القمح تشتريه من المزارعين (ليصبح سعره 420 دولارًا أمريكيًا). ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا السعر مرتفع مقارنةً بالقمح الروسي أو الأوكراني الذي تشتريه دمشق، ويُظهر استعداد الحكومة للاستجابة للضغط الشعبي حتى على حساب المصالح الاقتصادية طويلة الأجل. ومن التحديات التي ستواجهها الحكومة السورية محاولة الموازنة بين مطالب المزارعين والمصلحة العامة في النمو المستدام. وفي حزيران 2026، انضمت الشركات التجارية أيضًا إلى الاحتجاجات، مطالبةً بتحسين الأجور والظروف الاجتماعية.

المشاركة الخارجية في إعادة الإعمار

منذ بداياتها، عملت الحكومة السورية بجدٍّ على حشد المستثمرين الخارجيين لإعادة الإعمار الاقتصادي. في 18 أيار، شارك وزير المالية برنية في جلسة مغلقة لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع في باريس. وتركزت المناقشات على التعافي الاقتصادي لسوريا وإعادة دمجها في النظام المالي العالمي. وتُمثل هذه المشاركة خطوةً هامةً أخرى في جهود حكومة الشرع للتواصل مع الاقتصادات الكبرى وحشد الدعم الدولي لإعادة إعمار البلاد قبل قمة مجموعة السبع في حزيران.

وفي أيار، شهد مسار إعادة إعمار الاقتصاد السوري تطورين هامين: قرار الاتحاد الأوروبي باستئناف العلاقات التجارية مع سوريا، وقرار شركتي فيزا وماستركارد، وهما من عمالقة القطاع المالي، بالسماح باستخدام بطاقات الائتمان الدولية في البلاد. ولا يقتصر السؤال المحوري على من سيمول إعادة إعمار سوريا، بل يتعداه إلى تحديد نوع الاقتصاد الذي سيُبنى هناك: اقتصاد مفتوح وتنافسي، أم إعادة بناء “اقتصاد المحسوبية” تحت قيادة جديدة.

مع ذلك، تتعارض الرغبة الدولية في إعادة الإعمار أحيانًا مع حالة عدم الاستقرار السائدة في سوريا. ففي السابع من تموز، وبينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول زعيم غربي يزور البلاد منذ سقوط نظام الأسد، وقعت عدة انفجارات بالقرب من مقر إقامته في العاصمة دمشق. يُظهر هذا الواقع صعوبة أخرى تواجه سوريا، إذ يتطلب اقتصادها المزدهر بيئة آمنة لممارسة الأعمال.

وتخوض سوريا حاليًا سباقًا محمومًا لإعادة الإعمار، إلى جانب دول أخرى في المنطقة تعاني من دمار هائل وتحتاج إلى مساعدات دولية، من بينها لبنان واليمن وليبيا وإيران والصومال، ومناطق مثل قطاع غزة. وفي هذا السباق، تتمتع سوريا بعدة مزايا: أولًا، الحرب التي انتهت وبرزت فيها قيادة جديدة حظيت باعتراف دولي، على عكس غزة أو ليبيا، على سبيل المثال، حيث لم يستقر الوضع بعد. إضافةً إلى ذلك، تقع سوريا عند مفترق طرق جيوسياسي فريد، ما يُثير اهتمام العديد من الدول بإعادة إعمارها. تُبدي تركيا، حليفة سوريا، اهتمامًا بإعادة إعمارها بهدف تحقيق الاستقرار على حدودها وتعزيز نفوذها في البلاد والمنطقة. وبدعم من تركيا ودول الخليج، تُعيد سوريا تموضعها كنقطة التقاء بين الشرق الأوسط وأوروبا، مما يُتيح إمكانية إنشاء بديل لمضيق هرمز وباب المندب. ويهتم الأوروبيون باستقرار سوريا لحل الأزمة وإعادة اللاجئين السوريين الى بلادهم. كما يُعد استقرار سوريا مصلحة واضحة في السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.

ورغم هذه المزايا، قد يُصعّب عدم الاستقرار العالمي على سوريا توفير رأس المال اللازم. وتواجه دول الخليج أزمة اقتصادية ناجمة عن الحرب مع إيران. وتحتل تركيا، الحليف الأهم للنظام السوري الجديد، المرتبة الحادية عشرة عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي المعدل حسب الأسعار، إلا أنها تُعاني من تضخم مستمر ومشاكل هيكلية. تنشغل أوروبا بالتضخم وأسعار الكهرباء والحاجة إلى التسلح، بينما تبدو الولايات المتحدة -رغم تحركات الرئيس ترامب الأخيرة – أكثر تركيزًا على الشؤون الداخلية.

ورغم أهمية التدخل الدولي، فإن حجم الاستثمار وحده لا يضمن النجاح. تُظهر تجارب دول أخرى أن ضخ رؤوس الأموال الخارجية يُمكن أن يُسرّع التعافي، ولكنه غير كافٍ لتحقيق نمو مستدام. لذا، فإن السؤال الأساسي ليس فقط حجم الأموال التي ستتدفق إلى سوريا، بل ما إذا كانت البلاد ستنجح في بناء مؤسسات اقتصادية قادرة على استغلال هذه الموارد بكفاءة. هذه المسألة جوهرية في بعض المناهج الرئيسية لدراسة النمو الاقتصادي. علاوة على ذلك، لا تزال هناك عوائق قانونية ومالية تحول دون اندماج سوريا في النظام العالمي، على عكس الانطباع المتفائل الذي يُعطيه الأمريكيون. وطالما بقي تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب ساريًا، فإن الشركات الأجنبية المستثمرة في البلاد مُعرّضة للاستيلاء الفوري على أصولها وأموالها من قِبل الدائنين، مما يُحيد فعليًا قدرة سوريا على جذب رؤوس الأموال المؤسسية الغربية.

الاقتصاد السوري في ضوء النظريات الاقتصادية

تشير النماذج الكلاسيكية للنمو الاقتصادي، بقيادة روبرت سولو، إلى أن الدول الخارجة من الحروب قد تشهد معدل نمو سريعًا نسبيًا في السنوات الأولى، نظرًا لحجم الدمار الهائل والحاجة الماسة لإعادة بناء البنية التحتية. وفي هذا السياق، يُشكل الدمار الواسع الذي لحق بسوريا أيضًا فرصةً سانحةً للنمو السريع، شريطة ضخ موارد كافية في البلاد.

مع ذلك، تُؤكد دراسات أحدث، ترتبط بشكل رئيسي بأعمال الفائزين بجائزة نوبل لعام 2024، دارون أسيموغلو ، وسيمون جونسون، وجيمس روبنسون، أن الاستثمار ورأس المال وحدهما لا يضمنان النجاح. فجودة المؤسسات، وسيادة القانون، وحماية حقوق الملكية، ومستوى الفساد، والقدرة على تشجيع المنافسة وريادة الأعمال، كلها عوامل أساسية تُؤثر في نجاح الدول في عمليات إعادة الإعمار والتنمية.

وفي السياق السوري، لا يقتصر التحدي على إعادة بناء البنية التحتية وضخ الأموال. فقد خلّف نظام الأسد وراءه ليس فقط الدمار المادي، بل أيضًا نظامًا اقتصاديًا مركزيًا فاسدًا يعتمد على مراكز القوى السياسية. وبهذا المعنى، لم يُخلِّف نظام الأسد وراءه دمارًا ماديًا واسع النطاق فحسب، بل خلَّف أيضًا بنية تحتية مؤسسية واقتصادية مُدمَّرة. لسنوات، عمل الاقتصاد السوري بطريقة مركزية تعتمد على الحكومة، حيث سيطرت الدولة أو جهات مُقرَّبة من النظام على مراكز القوة الاقتصادية الرئيسية. وكان القطاع المصرفي السوري ضعيفًا للغاية: فقد تم تأميم معظم البنوك وبقيت تحت سيطرة الدولة، ولم يتطور النظام المالي ليصبح آلية فعّالة للائتمان والاستثمار ودعم ريادة الأعمال.

وتُجسِّد زيارة صندوق النقد الدولي إلى دمشق في حزيران 2025 هذه النقطة بوضوح. فخلال زيارتهم الأولى لسوريا منذ عام 2009، أكد ممثلو صندوق النقد الدولي أن إعادة بناء الاقتصاد لا تتطلب المساعدات ورأس المال فحسب، بل تتطلب أيضاً استعادة ثقة الجمهور، وتعزيز البنك المركزي، وإصلاح أنظمة الدفع والمصارف، وتشديد الرقابة المالية، وتحسين آليات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وخلال زيارة أخرى في شباط 2026، أشار الصندوق إلى أن البنك المركزي حافظ على سياسة نقدية متشددة، وأن تجنب تمويل الميزانية من خلاله ساهم في كبح التضخم وتحقيق بعض التحسن في سعر الصرف. وفي الوقت نفسه، شدد الصندوق على أن المرحلة التالية تتطلب تعزيز استقلالية البنك المركزي، ووضع إطار عمل لسياسة نقدية حديثة، وتقييم وضع البنوك، وإصلاح نظام المصارف والمدفوعات. كما أن تعيين عبد القادر حصرية، الشريك السابق في شركة إرنست ويونغ العملاقة في سوريا، محافظاً للبنك المركزي، يؤكد على السعي لتقديم إعادة الإعمار المالي كمشروع تكنوقراطي مؤسسي وليس مجرد مشروع سياسي.

في ضوء كل هذا، بات وضع البنك المركزي السوري أحد أهمّ الاختبارات لإعادة إعمار البلاد. فوجود بنك مركزي مهني ومستقل، قادر على الحفاظ على استقرار الأسعار، وتعزيز الثقة بالعملة، والإشراف على القطاع المصرفي، والربط بالنظام المالي الدولي، يُعدّ مؤشراً على بناء مؤسسات اقتصادية حقيقية. من جهة أخرى، إذا استمرّت الأموال والائتمان والبنوك خاضعةً لاحتياجات الحكومة وحاشيتها، فقد ينتهي المطاف حتى بالاستثمارات الضخمة والبنية التحتية الجديدة إلى إعادة بناء اقتصاد المحسوبية تحت مسمّى آخر.

وتسعى سوريا أيضاً إلى بناء قطاع خاص قوي. ففي حزيران، افتُتح “المؤتمر الأول للحوار مع القطاع الخاص”، حيث أكّد وزير الاقتصاد شعار أن هدف النظام ليس خصخصة القطاع العام برمّته، بل بناء اقتصاد يجمع بين قطاعات قوية. كما شدّد على رغبة النظام في دمج المرأة في الاقتصاد.

على الرغم من هذه التصريحات، فإن صعوبة سوريا في إنشاء قطاع خاص مستقل تتجلى بوضوح في بيانات عدد الشركات التي تم افتتاحها في سوريا عام 2025. تشير البيانات الرسمية المنشورة في البلاد بنهاية عام 2025 إلى وجود حوالي 30 ألف شركة فقط، وهو عدد ضئيل للغاية مقارنة بدول المنطقة. في ذلك العام، أفادت الحكومة السورية بافتتاح حوالي 18 ألف شركة جديدة، وهو رقم من شأنه أن يضع سوريا ظاهريًا في مصاف دول المنطقة. مع ذلك، يُظهر فحص أدق للبيانات أن 4425 شركة فقط منها كانت مسجلة رسميًا، بينما سُجلت البقية بوضع مشابه لوضع “تاجر مرخص” أو “تاجر معفى”. عند التركيز على الشركات المسجلة فقط ومقارنة عددها بحجم السكان البالغين، يتضح أن عدد الشركات التي تم افتتاحها في سوريا عام 2025 أقل بكثير من عددها في دول المنطقة.

وهكذا، حتى بعد التغيير السياسي الجذري، لا تزال سوريا بعيدة كل البعد عن امتلاك قطاع خاص كبير، تنافسي، ومبتكر. فعدد الشركات الجديدة المسجلة منخفض، ليس فقط من حيث العدد المطلق، بل وبالأخص قياساً بحجم السكان.

إضافةً إلى ذلك، لا تعمل المؤسسات الاقتصادية بمعزل عن الواقع. فالاقتصاد المبتكر والتنافسي يحتاج أيضاً إلى بيئة اجتماعية وثقافية تُتيح المعرفة، والتعليم، ومشاركة المرأة في المجال العام، وحقوق الأقليات، والتفكير النقدي. ورغم أن سوريا في عهد أسرة الأسد اتسمت بضعف المؤسسات، والمركزية الشديدة، والاعتماد العميق على آليات الحكم والسلطة، إلا أن المرأة كان لها حضور في المجال العام، وحُفظت حقوق الأقليات إلى حد ما. ونظراً للطابع الإسلامي المتشدد لنظام الشرع، يبرز التساؤل حول ما إذا كان سيُسمح للمرأة بالمشاركة في “اللعبة الاقتصادية”، أم أن سوريا ستُجبر على التخلي عن نصف قوتها العاملة.

 

 

التداعيات على إسرائيل

سيُحدد الانتعاش الاقتصادي في سوريا إلى حد كبير نوع الدولة السورية التي ستواجهها إسرائيل في السنوات والعقود القادمة. سوريا، التي تعاني من أزمة اقتصادية حادة، قد تستمر في كونها ساحة نفوذ لجهات أجنبية، وميليشيات، وشبكات تهريب، وآليات تمويل غير رسمية، وقد تسمح أيضاً لجهات مثل إيران أو حزب الله باستغلال الصعوبات الاقتصادية لتعزيز نفوذها وحضورها، كما حدث خلال عهد الأسد. في مثل هذه الحالة، لا يُقلل ضعف الدولة بالضرورة من التهديد لإسرائيل، بل قد يُعمّق عدم الاستقرار على الحدود الشمالية، ويُتيح لجهات خارجية وداخلية استغلال الفراغ الاقتصادي والحكومي. من جهة أخرى، لا يُبشّر تعافي سوريا اقتصادياً بالضرورة بخير لإسرائيل أيضاً. فسوريا الأقوى اقتصادياً، ولكنها ذات توجهات سياسية أو عسكرية فاشية، من المرجح أن تُوجّه بعض مواردها لإعادة بناء الجيش، وتعزيز آليات الأمن، وبناء قدرات جديدة لمواجهة إسرائيل. أما العامل الأكثر تأثيراً من وجهة نظر إسرائيل فهو طبيعة النظام، الذي يتراوح بين التطرف الإسلامي والاعتدال، وموقفه من إسرائيل. فبعيداً عن الديناميات الداخلية، لا يعمل النظام بمعزل عن الواقع، بل يتأثر بشكل كبير بالسياسة الإسرائيلية تجاهه.

في الوقت نفسه، لا يزال المسؤولون الإسرائيليون متشككين في النظام السوري ونواياه. فإلى جانب القلق الواضح في ضوء الخلفية الأيديولوجية التي نشأ منها، ثمة علامات استفهام كثيرة تُحيط باستقرار سوريا ومستقبلها. ويُعدّ وضعها الاقتصادي عنصرًا حاسمًا في تقييمها، ولذا فمن حق إسرائيل مراقبة مؤشرات مؤسسية واضحة: مدى استقلالية وكفاءة البنك المركزي، وجودة الرقابة على النظام المصرفي، وعودة البنوك إلى النظام المالي الدولي، ومعدل تسجيل الشركات الجديدة، ومستوى المنافسة في القطاعات الرئيسية، وهوية الجهات المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار. علاوة على ذلك، ينبغي لإسرائيل ضمان ألا تأتي المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية في سباق إعادة إعمار سوريا على النفوذ والمكانة والأصول ومحاور النفوذ الإقليمية على حسابها. تُبيّن هذه المؤشرات ما إذا كانت سوريا تتجه نحو دولة مستقرة ومنفتحة ذات اقتصاد فاعل، أم أنها تُعيد بناء نظام مركزي ضعيف يعتمد على مراكز القوى السياسية. على المدى البعيد، قد تكون جودة المؤسسات الاقتصادية أهم من حجم الاستثمار نفسه في تحديد طبيعة سوريا والتحدي الذي ستُمثله لإسرائيل.

------------------------------------------

 

 

 

 

هآرتس 22/7/2026

ما هو الخطر الحقيقي للبرغوثي؟

بقلم: ديمتري شومسكي

يبدو ان شخص في مصلحة السجون البن غفيرية كان من المهم له ارضاء جهة معينة في وزارة الامن الوطني. من هنا صدر التقرير الاستخباري الخاص لمصلحة السجون، بعنوان “مروان البرغوثي يكسب لعبة لا يشارك فيها”. وقد نشرت النقاط الرئيسية لهذا التقرير، الذي كتبه الدكتور م.، من قسم البحوث الاستراتيجية في مصلحة السجون، في هذا الشهر في صحيفة “يدعوت احرونوت”، في مقال كتبه ليران تماري. هدف التقرير هو “سنورة البرغوثي”، أو كما يقول ب.، وهو ضابط استخبارات رفيع في مصلحة السجون والذي استند المقال المذكور الى مقابلة اجريت معه: “انه (البرغوثي) نوع من يحيى السنوار، بل هو اكثر دهاء وخطرا”. مع ذلك، عند قراءة المقال يصعب تقديم أي دليل حقيقي يدعم هذا الادعاء.

للتذكير، تم اعتقال البرغوثي، القائد السابق للتنظيم، وهو الجناح العسكري في حركة فتح، في الانتفاضة الثانية، في عملية “الدرع الواقي” في نيسان 2002، وفي العام 2004 تمت ادانته في المحكمة المركزية في تل ابيب بالتورط في هجمات ادت الى قتل خمسة اسرائيليين. وقد صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد خمس مرات، اضافة الى احكام اخرى بتهمة الشروع في القتل والانتماء لمنظمة ارهابية والعمل فيها. بعد ذلك، كما كتب آفي يسسخاروف في نيسان 2016 في صحيفة “تايمز اوف اسرائيل” تخلى البرغوثي عن تاييد الكفاح المسلح، وصاغ مفهوم للمقاومة السلمية للاحتلال الاسرائيلي، بهدف اقامة دولة فلسطينية في حدود 1967، وهو المفهوم الذي يسعى من خلاله الى توحيد كل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية.

في المقال عن التقرير الخاص لمصلحة السجون، الذي يتضمن ايضا لمحة تاريخية عن سيرة البرغوثي قبل الادانة وبعدها، لم تتم الاشارة الى أي تغيير في موقفه من الكفاح المسلح. وخلافا لذلك، يؤكد التقرير والمقال بشكل قاطع، على ان البرغوثي، مثلما كانت الحال في الانتفاضة الثانية، ما زال يؤيد نهج الارهاب حتى الآن. مع ذلك، رغم الادعاء بان التقرير يعكس “تطور في شخصيته”، بالاعتماد، ضمن امور اخرى، على تسجيلات لمحادثاته الخاصة، فان المقال لا يقدم أي دليل صريح على اقوال البرغوثي اليوم يدعم هذا الادعاء.

يفشل التقرير والمقال عن البرغوثي في تقديم ادلة كافية، ليس فقط فيما يتعلق بدعمه المزعوم لنهج الكفاح المسلح، بل ايضا فيما يتعلق بمسالة جوهرية اخرى، لا تقل اهمية بالنسبة لكل من يتوق الى اعتبار البرغوثي النسخة الخطيرة للسنوار، وهي مسالة الاعتراف بدولة اسرائيل. في الواقع لو ان “تطور شخصيته” قد اوحى، ولو بالتلميح، الى ان البرغوثي يسعى الى طرد “المستعمرين الصهاينة” من الشرق الاوسط واقامة دولة فلسطينية واحدة من البحر الى النهر، لكانت عملية “سنورته” قد اكتملت. مع ذلك، تبين ان حصيلة معلومات مصلحة السجون هنا ضئيلة جدا: لقد اعترفت ب.، العضوة البارزة في هذا الجهاز، “التي قضت ساعات طويلة مع البرغوثي وتعرفت على كل المعلومات الاستخبارية عنه”، اعترفت بأن البرغوثي كان يتحدث دائما في محادثاتها معه عن ضرورة تحقيق السلام بين الشعبين. وقد اعتبرت ذلك مجرد مجاملة.

لكن الامر لا يعتبر سر. ففي الانتفاضة الثانية عندما كان يقود تنظيم ارهابي وقبل اعتقاله من قبل اسرائيل، اكد البرغوثي بوضوح التزامه بحل الدولتين الذي يقوم على التعايش السلمي والازدهار والترابط الاقتصادي والثقافي. وفي مقاله المشهور في “واشنطن بوست” في كانون الثاني 2002، وصف اسرائيل بأنها “الجارة المستقبلية”، واكد على اعتراف الفلسطينيين بدولة اسرائيل “على 78 في المئة من اراضي فلسطين التاريخية”، وطلب من اسرائيل الاعتراف بحق دولة فلسطين في الوجود على 22 في المئة من هذه الارض. واكدت مجموعة من المقربين من البرغوثي في 2017 على مبدأ الاعتراف المتبادل بين اسرائيل وفلسطين، لذلك لا يوجد ما يدعو الى التشكيك في صدق تصريحاته الحالية بشان التزامه بالسلام بين الشعبين، التي يشهد عليها تحقيق معهد الدراسات السياسية نفسه، طالما لم يثبت عكس ذلك.

يوجد لجيل كامل مثل البرغوثي موقف سياسي فلسطيني يدعو الى الحل الواقعي والعادل الوحيد في الصراع بين اسرائيل والفلسطينيين وهو حل الدولتين. اضافة الى ذلك كان على مدى عقد يرفض المقاومة المسلحة للاحتلال، ويبدو انه الزعيم الفلسطيني الوحيد القادر على توحيد معظم الفصائل الوطنية الفلسطينية تحت قيادته وحول هذين المبدأين: دعم حل الدولتين ونبذ الارهاب. وينطبق هذا ايضا على اجزاء من حماس والجهاد الاسلامي اللتان توصل ممثلوهما الى اتفاقيات مع انصار البرغوثي في العام 2016، استنادا الى نفس المباديء. والان بالتحديد بعد كارثة تدمير غزة، يتوقع ظهور خائبي أمل جدد في المنظمات الارهابية، الذين سيكونون مستعدين للموافقة على قيادة البرغوثي ورؤيته.

ان احتمالية ظهور قيادة فلسطينية موحدة وتلتزم بحل الدولتين بقيادة البرغوثي، تعتبر تهديد حقيقي لاسرائيل. لان ظهور هذه القيادة سيضع حد لذرائعها المتكررة لتجنب استئناف العملية السياسية. في الواقع ترفض اسرائيل، التي اطلقت سراح مئات الارهابيين الفلسطينية الملطخة أيديهم بالدماء، اطلاق سراح البرغوثي، ليس بسبب تورطه في قتل اسرائيليين، بل بسبب ما يمثله من “خطر” على السلام وتقسيم البلاد. وبناء على ذلك فقد حان الوقت لانصار حل الدولتين في اسرائيل، يهود وفلسطينيين، لبذل قصارى جهدهم لزيادة هذا الخطر.

بشكل ملموس يجب اتخاذ اجراءات مستعجلة لانشاء منتدى يهودي – عربي من اجل المطالبة باطلاق سراح البرغوثي. وسيعمل هذا المنتدى بحزم على ايصال صوته محليا ودوليا، وسينظم حملة توقيعات جماعية من قبل مواطنين اسرائيليين يحبون السلام، للمطالبة باطلاق سراح البرغوثي، وفي نفس الوقت سيضمن تزويد الرأي العام الاسرائيلي بمعلومات موثوقة ومفصلة حول مواقفه السياسية، الامر الذي سيضع حد لمحاولة ذر الرماد في عيون الجمهور الاسرائيلي حول هذه القضية، مثل “الكشف المخجل” الذي نشرته “يديعوت احرونوت”.

------------------------------------------

يديعوت 22/7/2026

لماذا لا يهاجمّ الأمريكيون والجيش الإسرائيلي “جبل الفأس”، ومتى سيحدث ذلك؟

بقلم: رون بن يشاي

منذ خريف عام 2025، رصد الغرب نقل أجهزة الطرد المركزي إلى المنشأة تحت الأرض، المحصنة تقريبًا ضد القصف الجوي. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الغرض منها حماية المعدات فقط، أم تخصيب اليورانيوم وتجميع الأسلحة النووية. ويتطلب استهدافها تخطيطًا دقيقًا، وسيتأثر توقيته بعدة عوامل: معلومات استخباراتية حول بدء النشاط هناك، وتجديد المخزون الأمريكي من القنابل الثقيلة، وخطة لهجوم دقيق على مستوى متر أو مترين.

ويكمن القلق الرئيسي هذه الأيام لدى خبراء الطاقة النووية، وكذلك لدى بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، في احتمال أن يأخذ الإيرانيون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة الذي لا يزال بحوزتهم، ويخصبوه إلى نسبة 90 في المئة باستخدام عدد قليل من أجهزة الطرد المركزي التي لا تزال سليمة. إذا ما أقدم النظام على ذلك بالفعل، وهناك دلائل تشير إلى ذلك، فإن نيته هي امتلاك مواد انشطارية تكفي لصنع أكثر من قنبلة ذرية. وعند توفر هذه المواد، يصبح الطريق إلى السلاح النووي قصيراً نسبياً.

كما يمكن استخدام المواد الانشطارية عالية التخصيب لصنع “قنبلة قذرة”، أي رأس حربي صاروخي أو قنبلة جوية، قادرة عند اصطدامها بالأرض، حتى في حال اعتراضها، على نشر كمية من المواد المشعة تجعل مساحة شاسعة غير صالحة للسكن.

لهذا السبب، بات شبكة الأنفاق الجديدة وقاعات الإنتاج تحت الأرض والتي يحفرها الإيرانيون منذ سنوات في ما يُعرف بـ”جبل الفأس” محط أنظار أجهزة الاستخبارات في إسرائيل والولايات المتحدة والغرب عموماً.

لقد بدأت أعمال الحفريات في منشأة “جبل الفأس”، الواقعة على بُعد كيلومتر ونصف تقريباً جنوب مجمع نطنز لتخصيب وإنتاج اليورانيوم، عام 2020، وأصبحت منذ ذلك الحين هدفاً لاهتمام أجهزة الاستخبارات والباحثين. ينبع القلق من عدم وضوح نوايا الإيرانيين بشأن شبكة الأنفاق هذه: هل سيحولونها إلى منشأة تخصيب تُنقل إليها أحدث أجهزة الطرد المركزي من منشأة نطنز الأصلية لحمايتها؟ أم أن هناك خططًا لتجميع أسلحة نووية؟ لا تزال هذه الأسئلة بلا إجابة.

مشكلة تقنين الذخيرة

جيولوجيًا، يتكون جبل الفأس من صخور أساسية، معظمها من الجرانيت، ولذلك فإن الأنفاق المحفورة فيه، والتي تقع -بحسب ما نُشر في صحيفة “وول ستريت جورنال”- على عمق يتراوح بين 100 و135 مترًا، محصنة تقريبًا ضد القصف الجوي. هذان العاملان – العمق وتركيبة الصخور، التي لا مثيل لصلابتها- يُشابهان إلى حد كبير خصائص منشأة التخصيب في فوردو. كما قد تتذكرون، في نهاية عملية “الأسد الصاعد” الصيف الماضي، استُخدمت قاذفات B-2 الأمريكية والأسلحة الخاصة (عملية مطرقة منتصف الليل) لإلحاق الضرر بمنشآت تخصيب اليورانيوم في فوردو ودفن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة المخزن هناك.

مصطلح “جبل الفأس” هو ترجمة حرفية. الاسم الفارسي للجبل هو كوه كولانغ، والذي يعني الفأس أو المعول، مما يشير على الأرجح إلى أن استخراج اليورانيوم من هناك كان يُعتبر صعبًا للغاية حتى في العصور القديمة. وحتى اليوم، ورغم المعرفة والمعدات الصينية، لا تزال هذه المهمة معقدة إلى حد كبير.

خصائص الهجوم على فوردو في حزيران 2025 – والذي سيكون مطلوبا مرة أخرى، إذا ما وحين يكون هذا ممكنا:

السبب في عدم مهاجمة المنشأة تحت الأرض في حزيران 2025 هو أنها كانت فارغة، أو شبه فارغة، ولم يكن واضحًا بعد الغرض من استخدامها. بعد عملية “الأسد الصاعد”، بدأ الإيرانيون بنقل أجهزة الطرد المركزي ومعدات أخرى من نطنز إلى أنفاق جبل الفأس، بالإضافة إلى معدات تمكنوا من جلبها من مواقع نووية أخرى تعرضت للقصف. لم يبدأ هذا النشاط فورًا، إذ استغرق الإيرانيون وقتًا لتنظيف مداخل الأنفاق القديمة في نطنز وفوردو وأصفهان. وبعد بضعة أشهر فقط، في خريف عام 2025، بدأوا سرًا بنقل أجهزة الطرد المركزي المتبقية أو التي لحقت بها أضرار طفيفة هناك.

لقد حاول الإيرانيون إخفاء هذا النشاط عن أجهزة الاستشعار عبر الأقمار الصناعية وغيرها من أدوات الاستخبارات التي تستخدمها إسرائيل والولايات المتحدة، لكن دون جدوى كبيرة. ومع ذلك، لم يتعرض جبل الفأس للهجوم في عمليتي “زئير الأسد” الإسرائيلية و”الغضب الملحمي” الأمريكية، اللتين بدأتا في أواخر شباط 2026 واستمرتا حتى وقف إطلاق النار في أوائل نيسان.

قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم يُستخدم بعد في أي نشاط نووي فعلي، مثل التخصيب أو تصميم القنابل، وإنما للتخزين فقط. سبب آخر لا يقل أهمية هو أن الهجوم الفعلي على أنفاق جبل الفأس يتطلب عملية ضخمة للغاية، لا يمكن تنفيذها إلا من قبل الجيش الأمريكي، لأن سلاح الجو الأمريكي وحده يمتلك قنابل GBU–57، التي يبلغ وزنها حوالي عشرة أطنان، وقادرة على اختراق الصخور الصلبة حتى عمق 60 مترًا تقريبًا (كما أن الأمريكيين وحدهم يمتلكون قاذفات B-2 الشبحية، التي تستطيع كل منها حمل عدة قنابل من هذا النوع).

على سبيل المثال، في عملية “مطرقة منتصف الليل” في حزيران 2025، التي استهدفت المنشأة النووية تحت الأرض في فوردو ومواقع نووية أخرى تحت الأرض في إيران، استخدم الأمريكيون سبع طائرات B-2 تحمل 14 قنبلة دقيقة للغاية قادرة على تدمير المخابئ. أُلقيت كل قنبلة في الحفرة التي أحدثتها القنبلة السابقة، لتصل إلى أعماق تتراوح بين 80 و100 متر. وقد أدت الصدمات التي أحدثتها هذه القنابل في منطقة جبل فوردو إلى تدمير أجهزة الطرد المركزي الحساسة بشكل كامل، ما أدى إلى تعطيلها.

كان قصفها أحد أكبر العمليات التي نفذها سلاح الجو الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. في منشآت الرصد الزلزالي بمنطقة فوردو، تم قياس هزة أرضية بقوة زلزال بلغت 4.3 درجة. لم تقتصر الأضرار على أجهزة الطرد المركزي سريعة الدوران فحسب، بل امتدت لتشمل القواعد المستوية التي تقوم عليها. لذلك، خلصت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية إلى أن منشأة فوردو قد أُخرجت من الخدمة، رغم أنها لم تُدمر.

ثم انطلقت القاذفات مباشرة من قاعدة في ولاية ميسوري الأمريكية وعادت إليها، بإجمالي أكثر من 30 ساعة طيران. إضافة إلى ذلك، نُفذت عملية تمويهية بواسطة سبع قاذفات B-2 حديثة أخرى، حلقت فوق جزيرة غوام في المحيط الهادئ لإيهام الإيرانيين بأن الهجوم سينطلق منها.

لكن لا يقل أهمية عن ذلك أن الأمريكيين، في سبيل ذلك، استنفدوا تقريبًا مخزونهم من القنابل الخارقة للدروع – 14 قنبلة من أصل 20 تقريبًا. ومن هذا يتضح أن قصف جبل القأس سيكون عملية معقدة بنفس القدر، بل ربما أكثر تعقيدًا: ففي الفترة التي سبقت عملية “مطرقة منتصف الليل”، مهد سلاح الجو الإسرائيلي الطريق أمام القاذفات الأمريكية، مدمرًا أنظمة الدفاع الجوي في طريقها إلى فوردو ونطنز وأصفهان. ومع ذلك، أرسل الأمريكيون أسطولًا من 125 طائرة مرافقة – بما في ذلك مقاتلات الشبح إف-22، وطائرات التشويش الإلكتروني، وغيرها التي وفرت غطاءً لقاذفات الشبح بي-2.

سيتم استخدام كل هذه الطائرات، بما في ذلك المساعدة الإسرائيلية، في قصف جبل القأس. لذلك، في الوقت الراهن، يُعدّ التوازن بين التكلفة والعائد الاعتبار الرئيسي لإسرائيل والولايات المتحدة.

لم يعد السر سراً

وبحسب ما نُشر في صحيفة “وول ستريت جورنال”، لا تُجرى حالياً أي أنشطة نووية فعلية في جبل الفأس. يُستخدم الموقع فقط لتخزين أجهزة الطرد المركزي ومعدات أخرى غير مُثبّتة، ​​ولا تُعالج بطريقة تسمح باستخدامها في المستقبل القريب. لذا، إذا أردنا إعادة إحداث الضرر الذي لحق بمنشأة فوردو العام الماضي، فهناك أربعة شروط أساسية يجب توافرها: 1. معلومات استخباراتية تفيد بنقل يورانيوم مُخصّب بنسبة 60 في المئة إلى الموقع، وأن الإيرانيين قاموا بتركيب وتشغيل أجهزة الطرد المركزي والمعدات الأخرى، ولو تجريبياً. 2. يجب توفر معلومات استخباراتية كافية حول موقع قاعات إنتاج وتشغيل أجهزة الطرد المركزي، بحيث يُمكن استهدافها بدقة. 3. أن تُجدد الصناعة الأمريكية مخزوناً كافياً من قنابل GBU-57 شديدة الاختراق. 4. أن يُكمل سلاح الجو الأمريكي الخطط والتحضيرات اللوجستية وغيرها من الاستعدادات اللازمة لهذه العملية، والتي لا تقل تعقيداً عن مطرقة منتصف الليل اياها. يستغرق الأمر وقتًا وجهدًا كبيرين.

من المرجح أن جمع المعلومات الاستخباراتية حول هذا المرفق ليس بالأمر الهين. لتحقيق نتيجة ملموسة، يجب معرفة مواقع أجهزة الطرد المركزي بدقة متناهية، وحساب مواقع سقوط القنابل تباعًا بدقة تصل إلى متر أو مترين، وربما أقل، بحيث تخترق صخور الجرانيت وتُلحق أضرارًا جسيمة بقاعات الإنتاج وأجهزة الطرد المركزي، لا أن تُحدث مجرد اهتزاز في الجبل.

بعبارة أخرى، هذه عملية تُنفذ لمرة واحدة في توقيت دقيق: من جهة، قبل لحظات من إنتاج الإيرانيين للمواد الانشطارية هناك، ومن جهة أخرى، ليس مبكرًا جدًا بحيث لا يُؤدي ذلك إلى أي تأخير حقيقي في البرنامج النووي الإيراني.

لقد فضل مسؤولو الاستخبارات والجيش في إسرائيل والولايات المتحدة إبقاء هذه البيانات سرية. لكن قبل أيام، كشف الرئيس ترامب، في مقابلة مع بودكاست شهير، ردًا على سؤال وُجه إليه، أن الولايات المتحدة كانت تُخطط بالفعل لمهاجمة جبل القأس. ثم خرج الفأس من الحقيبة ولم يعد السر سراً.

لا توجد حاليًا أي معلومات تفيد بأن الإيرانيين قاموا بتشغيل أجهزة الطرد المركزي المخزنة في أنفاق جبل الفأس، لكن صور الأقمار الصناعية تُظهر أنهم يُجرون أعمالًا حول فتحاتها، وفي أماكن أخرى، لتحصينها وتقويتها بطريقة تسمح بالوصول إليها والدخول إليها حتى في حال قصفها. وفي الوقت نفسه، ستكون هذه المواقع عصية على الوصول للقوات البرية، إذا قررت الولايات المتحدة شن عملية برية لتدمير محتويات جبل الفأس، وربما لاستخراج اليورانيوم المخصب الذي قد يكون مخزنًا هناك.

------------------------------------------

هآرتس 22/7/2026

سيتبنى اليمين واليسار رؤية ماوتنر للكونفيدرالية، لكن هذه ستكون نهاية اسرائيل

بقلم: عيزر جات

يزداد بعد حل الدولتين بسبب الرفض الفلسطيني (خاصةفيما يتعلق بحق العودة)، والمستوطنات في عمق الضفة الغربية، ورؤية اسرائيل المسيحانية. هذا الوضع اليائس يدفع الى الهرب الى عالم الخيال. مني ماوتنر (“هآرتس”، 19/7)، مثل اوري بار – يوسيف قبله (“هآرتس”، 4/7)، يدعو الى تسوية النزاع بقبول مقترح السلاح العربي من العام 2002، الذي عادت وكررته جامعة الدول العربية وصادقت عليه عدة مرات منذ ذلك الحين.

حسب ما كتب ماوتنر فان المقترح ينص على اعتراف العالم العربي باسرائيل، وتوقيع اتفاق سلام معها مقابل انسحابها من كل الاراضي. لكن ماوتنر يغفل الاشارة الى ان المقترح يطالب ايضا بـ “حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، يتم الاتفاق عليه وفقا لقرار الجمعية العمومية للامم المتحدة رقم 194 الصادر في العام 1948”. هذا الاغفال غريب جدا، لا سيما من جانب رجل قانون. والامر الذي يثير الاستغراب ايضا هو ان ماوتنر لا يعطي اهمية لحقيقة أن قبول المبادرة العربية يعني اعتراف اسرائيل القانوني بالقرار 194، الذي هو الان، مثل قرارات الامم المتحدة، لا توجد له قوة قانونية ملزمة. وهذا من شأنه ان يجعله جزء ملزم من القانون الدولي، وهو امر طالما تجنبته اسرائيل. ففي نهاية المطاف هذا حل سيتم “الاتفاق عليه” استنادا الى قرار الجمعية العمومية للامم المتحدة رقم 194، وهذا الامر يشبه حل مسالة السيطرة على يهودا والسامرة، الذي سيتم “الاتفاق عليه” استنادا الى مفاهيم بتسلئيل سموتريتش.

يبدو ان يدعون الى قبول مبادرة السلام العربية يعتقدون ان الطلبات الفلسطينية بـ “حل عادل” لمشكلة اللاجئين لن تشمل ممارسة “حق العودة” على نطاق واسع وفقا للقرار 194 (“يسمح للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بالعودة في اقرب وقت ممكن”)، ولا يخطر ببالهم ابدا مدى استعداد الفلسطينيين للتخلي عن “حق العودة”، جوهر الهوية الفلسطينية الذي يستند الى العام 1948 وليس 1967، وعلى قيام دولة مستقلة.

يبدو ان من يؤيدون مبادرة السلام العربية، التي طرحتها جامعة الدول العربية، يتجاهل ايضا التطورات في المنطقة منذ العام 2002: القمع، الربيع العربي، الحروب الاهلية الدموية في ليبيا وسوريا والعراق واليمن والسودان (وقبل ذلك في الجزائر ولبنان). يضاف الى ذلك نشاط ايران ووكلائها. ان قدرة جامعة الدول العربية على منع أو حل النزاعات والحروب داخل العالم العربي نفسه تكاد تكون معدومة، ومن الغريب افتراض ان قوتها ستكون اكبر في الصراع مع اسرائيل. السعودية، التي لم تشمل مبادرتها الاصلية، على عكس مبادرة السلام العربية بالصيغة المعتمدة بناء على طلب الفلسطينيين وسوريا، قبول اسرائيل للقرار 194، طرحت لاحقا مقترحات اقل طموحا بشأن القضية الفلسطينية كشرط للتطبيع مع اسرائيل.

وكحل للخروج من هذا المازق يقترح ماوتنر كونفيدرالية اسرائيلية – فلسطينية أو اسرائيلية فلسطينية اردنية، يحتفظ فيها كل طرف بجنسيته الخاصة. هذه فكرة تطرح في آن واحد وبشكل متناقض من قبل اليمين واليسار. فاليمين ينظر اليها كوسيلة لمنع تقسيم الارض والحفاظ على امكانية الاستيطان في أي مكان من خلال فصل قومي، بمعنى “الذهاب مع والشعور بدون”. من جهة اخرى، ينظر للكونفيدرالية في اوساط اليسار المتطرف كوسيلة لضمان المساواة في الحقوق الوطنية والمدنية للطرفين، في ظل واقع تتضاءل فيه امكانية التقسيم، وكحل يضمن عدم تهميش الاقليات القومية في كل دولة من الدول.

يعتبر مفهوم الكونفيدرالية مفهوم فضفاض، لكن يفترض عموما انه يشمل حرية التنقل وامكانية العيش في كل ارجاء اراضيها. يغفل من يؤيدون هذه الفكرة في اليمين، ما يعتبره مؤيدوها في اليسار ميزة، في اطار الرؤية المتشائمة لحياة مشتركة يسودها السلام الاخوة: حرية تنقل السكان واختلاطهم ليس في اتجاه واحد فقط، بل في كل ارجاء الكونفيدرالية. وحتى الذين يعتقدون بامكانية التصميم على جنسية منفصلة داخل حدودها يجب عليهم ان يأخذوا في الحسبان الاستيطان الكثيف لعرب المناطق، والعرب من كل ارجاء الشرق الاوسط في ارض اسرائيل، التي تقدم مزايا اقتصادية كبيرة. ومثلما هي الحال في كل العالم، وخلافا لامل اليمين، فان ضغط الهجرة غير المنضبطة سيكون باتجاه العالم المتقدم، الى داخل اسرائيل وليس منها.

وحتى لو لم يكن للمستوطنين بالفعل في اسرائيل، حسب الاتفاق، الحق في الحصول على الجنسية الاسرائيلية، فهم سيطالبون بها بصفتهم مقيمين دائمين في اسرائيل. وسيطالب بها احفادهم الذين سيولدون في اسرائيل، ولن يكون بالامكان حرمانهم منها مع مرور الوقت. وبالنظر الى التركيبة السكانية الاقليمية فان هذا يعني نهاية دولة اسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، دولة يرغب أي شخص في الهجرة اليها والعيش فيها. ان الفصل السياسي بين الشعبين هو المصلحة العليا لدولة اسرائيل.

ان الواقع الصعب يتطلب نظرة ثاقبة وواقعية، وليس رؤية مسيحانية ساذجة، سواء من قبل اليمين أو من قبل اليسار.

*عيزر جات استاذ كرسي عيزر وايزمن للامن القومي في جامعة تل ابيب، ومستشار اكاديمي في معهد بحوث الدراسات الأمنية

------------------------------------------

إسرائيل اليوم 22/7/2026

قد يتصدرون محور “إبادة إسرائيل”: ماذا أعددنا للحوثيين؟

بقلم: أور هورفيتس

“الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام”. كي نفهم نوايا الحوثيين، لا حاجة للتحليلات المعمقة – في هذه الحالة، العنوان موجود على علمهم. فهذا الموقف الأيديولوجي يعبر عن خصال الحركة الشيعية التي سيطرت على أجزاء واسعة من اليمن منذ 2014: تطرق ديني، إمبريالية إقليمية وكذا – كراهية لاذعة لإسرائيل ولليهود.

في الغرب، وفي إسرائيل على نحو خاص، لم يولوا الحركة أهمية كبيرة، لأن اليمن “الضعيف” يقع على مسافة 1500 كيلومتر عن إسرائيل. وعندها جاء تشرين الثاني 2023، الذي بدأت فيه حملة الحوثيين لضعضعة حرية العمل البحري في مضيق باب المندب رداً على الحرب في غزة. انخفض في أعقابها حجم التجارة في أحد المسارات البحرية الأهم في العالم بنحو النصف. لاحقاً، جاءت أيضاً الصواريخ والمُسيرات الحوثية إلى أراضي إسرائيل فجسدت قدرتهم العسكرية وقوة الإضرار التي يمكنهم إلحاقها حتى من مسافة بعيدة.

ثمة أعمال عسكرية قوية – سواء من جانب إسرائيل أم من جانب أمريكا – لم تنجح في ضعضعة التصميم الحوثي. قدرات الحوثيين العسكرية تضررت، بعض زعمائهم صفوا، لكنهم نجحوا في الصمود وفي تجسيد نفوذهم الإقليمي والعالمي.

مشكلة الغرب المزدوجة

استراتيجياً، الحوثيون مرتبطون بإيران عسكرياً، لكنهم بخلاف حزب الله، ليسوا تابعين لطهران. بمفاهيم عديدة، ضعف قوة إيران العسكرية وضعف تدخلها الإقليمي يسمح للحوثيين بتشخيص فرصة لقيادة محور المقاومة. هكذا، يقف الغرب أمام مشكلة مزدوجة: إذا بقي النظام الإيراني فستستمر المساعدة العسكرية للحوثيين، وإذا لم يبق فللحوثيين قدرات إنتاج ذاتي عالية، ورؤية ليكونوا قيادة بديلة لمحور المقاومة.

من المتوقع للتحدي الحوثي أن يشتد، بسبب الخليط بين أيديولوجيا متزمتة، وقدرات عسكرية، وصناعات أمنية مرنة وإبداعية وحداثة نسبية. جعل الحوثيون الآن الملاحة شبه متعذرة.

وهذه ليست المشكلة الوحيدة بالضرورة؛ فربما يتبنى الحوثيون خطة إبادة إسرائيل، ويدفعوا بها قدماً بشكل مباشر، خاصة دون صلة بتطورات أخرى. في هذا السياق، تبدو تصريحات الزعيم الحوثي مقلقة على نحو خاص، يقول: “هناك مئات الآلاف من أبناء شعبنا ممن سينطلقون إلى فلسطين للمشاركة في معركة الجهاد المقدس ضد العدو الصهيوني”. لم يعد لإسرائيل ما بعد 7 أكتوبر ترف استخفاف بهذا.

ومع ذلك، ثمة ما يمكن عمله هنا. على إسرائيل أن تثبت ميزان ردع حاداً وواضحاً تجاه الحوثيين، يدفعون في إطاره ثمناً باهظاً على كل عمل ينتهك السيادة الإسرائيلية. بالتوازي، تشكيل فرصة لتعميق التعاون مع دول الخليج – التي يشكل الحوثيون تهديداً مباشراً عليها.

الحوثيون ليسوا التهديد الأساس على إسرائيل. ومع ذلك، فإن فشل 7 أكتوبر يستوجب النظر أيضاً إلى ما وراء جبال الأفق. على إسرائيل أن تبني استراتيجية تسمح لها بالتصدي لهذا التغيير المحتمل بنجاح.

------------------------------------------

هآرتس 22/7/2026

لقضاة “العار” في إسرائيل: قراراتكم هي “الأبرتهايد” بعينه

بقلم: أسرة التحرير

يتبين أن لدى القاضيين، أليكس شتاين وياعيل فيلنر، جلداً حساساً على نحو خاص؛ فتعبير “أبرتهايد” يخرجهما عن التوازن، التوازن الذي يفترض به أن يكون من صفات القضاة. من ناحية شتاين، مثلما تحدث في مداولات أول أمس في الالتماس المقدم للمحكمة العليا، فإن من يعزو لإسرائيل الأبرتهايد “لا مكان له في دولة إسرائيل”. يرى هو وفيلنر، بأن نقد سياسة إسرائيل في “المناطق” [الضفة الغربية] معناه نزع شرعية إسرائيل ورفض وجود الدولة؛ والدولة من حقها بل ومن واجبها، أن تدافع عن نفسها من مثل هذه الأقوال.

منظمات إنسانية دولية ناقدة لسياسة إسرائيل في “المناطق” ممنوعة من الدخول إليها. ومن هنا، ممنوع أيضاً دخولها إلى “المناطق” لمساعدة المحتاجين. وعلى الرغم من منظومة قيم هؤلاء القضاة، فلا وزن بحق سكان “المناطق” في الحياة والصحة، إذا لم يكونوا يهوداً. كما أن الحق في حرية التعبير -الذي عرفت المحكمة العليا القديمة، قبل تعيينات آييلت شكيد، كيف تسمو بها وتدافع عنها- تبخرت وشطبت.

يفضل شتاين تجاهل الحقائق: تقيم إسرائيل منظومة مؤسسات فصل العرب وقمعهم في الضفة كي تحافظ على السيطرة والتفوق اليهودي في “المناطق”. الحديث لا يدور فقط عن منظومة تفرقة منهاجية في مجالات الحياة على أنواعها، بل هي منظومة تمس أيضاً بحياة الفلسطينيين وبأجسادهم وأملاكهم، بتشجيع ومشاركة من محافل الدولة. ليس الهدف هنا هو الحفاظ على السيطرة فحسب، بل ترحيل عرقي، تقوم به دولة لليهود فقط: مناطق نقية من العرب.

لكن ما قيمة هذه الحقيقة أمام الدفاع عن كرامة الدولة وسمعتها الطيبة؟ فلماذا نميز بين نقد سياسة إسرائيل، ورفض وجودها إذا كان الخلط بين الاثنين ممكناً، وبذلك منع نقد السياسة في المجال الأهم والأكثر حساسية لأمن إسرائيل بل ولوجودها؟

تسارع المحكمة بالدفاع عن سمعة إسرائيل الطيبة، رغم أن السمعة الطيبة لا تقوم على الكذب وإخفاء الحقيقة. وإذا اعتقد شتاين بأهمية القضاء على سياسة الأبرتهايد، فعليه أن يعارض سياسة إسرائيل في “المناطق”، لا أن يعطيها الإسناد والتشجيع.

عملياً، لا يمكن القول للقاضي إن دولة إسرائيل ليست “دولة أبرتهايد”، بل دولة محظور القول إنها ترتكب جريمة الأبرتهايد. وتجدر الإشارة إلى أن القضاة ليسوا مطالبين بالموافقة على أنها كذلك، لكن من واجبهم أن يسمحوا بالبحث في ذلك. أما بخنق البحث السياسي، فتصبح المحكمة شريكاً نشطاً في الانقلاب النظامي. إذا كان هذا هو خط المحكمة العليا، فإنها بذلك تسحب البساط من تحت أقدامها، وستوصم نفسها وتوصمنا بالعار.

------------------------------------------

 

 

 

 

 

هآرتس 22/7/2026

هل يقود غولان “الكابلانيين” إلى موقع مؤثر في الانتخابات المقبلة؟

بقلم: رفيت هيخت

لقد أثبت حزب الديمقراطيين بأنه حزب الاحتجاج الرسمي أو “حزب كابلان”، كما يسمى في الخطاب والحياة الإسرائيلية اليوم. فإذا كان حزب العمل قد انقسم سابقاً بين “حمائم” و”صقور”، وانقسم “ميرتس” بين “مؤيدين للاحتلال” و”حُمر”، فهذه الانقسامات اليوم تكاد تكون معدومة.

غابي لاسكي، التي استثمرت مؤهلاتها القانونية للدفاع عن حقوق الإنسان في الضفة الغربية لسنوات، احتلت مكانة مرموقة في القائمة بفضل دفاعها القانوني عن المعتقلين في المظاهرات. وبمناسبة الانتخابات التمهيدية، قدم وزير الدفاع يسرائيل كاتس هدية لعمري رونين، وهو من أبرز الأعضاء في “إخوة السلاح”، عندما أعلن أمس عن إعفائه من خدمة الاحتياط. وقد تم استبدال معارضي الاحتلال بنشطاء احتجاج بارزين، مثل موشيه ريغمان وموران كاتسنشتاين ونافا روزيليو، وقد حظي مرشحون سابقون مثل يايا بينيك، الذين برزوا في السنوات الأخيرة في الاحتجاجات، بمكانة مرموقة.

حتى أعضاء الكنيست الحاليون من الحزب، الذي نالوا استحساناً كبيراً لنشاطهم في الكنيست بقيادة نعمة لازيني وجلعاد كريف، أصبحوا أكثر ارتباطاً بالاحتجاجات والمظاهرات من أي مسؤول آخر. لذا، حكومة المذابح غير مسؤولة فقط عن إعادة تشكيل الحياة هنا، بل عن التشرذم المتجدد لليسار وصورته الحالية. ومجرد تولي يئير غولان، بطل 7 أكتوبر، الذي سبق له الفشل في “ميرتس”، رئاسة حزب اليسار يعتبر فصلاً آخر في سلسلة التشويهات التي خلقتها الحكومة.

تحتل قائمة الديمقراطيين مكانة صغيرة، ولكنها مترسخة في الرأي العام داخل إسرائيل، كما يتضح من التسجيل للحزب في الانتخابات التمهيدية. يشعر الجمهور الليبرالي وبحق أنه يخوض حرباً وجودية، أو بالأحرى معركة شاملة، على مستقبله في هذا المكان. وربما تتمكن القائمة من الوصول إلى عشرة مقاعد على الأقل.

خوف الحزب من الضعف بسبب ترشح آيزنكوت، بدأ يتلاشى؛ أولاً، هناك فهم متزايد للوضع الراهن الذي تزداد فيه المؤشرات بأن آيزنكوت لا يرغب في التحالف مع نفتالي بينيت ويئير لبيد، وأنه سيخوض الانتخابات منفرداً. ثانياً، كان غادي آيزنكوت نفسه أول من ابتعد عن الديمقراطيين وأمثالهم، وتجاهل أي دعوة للوحدة والتطلع إلى قيادة هذا الجمهور.

في الواقع، أحد الخطوط الواضحة في حملة آيزنكوت هو التنكر لهذا الجمهور، ويعود ذلك جزئياً إلى نزعة يمينية لدى الجمهور في إسرائيل، وإلى شعور الكثيرين بالنفور من نواة صلبة لدى الاحتجاج والمحتجين، حتى لو أنهم من غير المؤيدين للحكومة. يحرص آيزنكوت على عدم التلون بلون كابلان. ويمكن القول حتى الآن على الأقل حسب الاستطلاعات، بأن هذه الاستراتيجية تبدو لصالحه.

على الرغم من أبعاد آيزنكوت لنفسه، لكن لا شك أن الديمقراطيين سيشكلون حلقة وصل مهمة، بل وحاسمة، في حكومة التغيير إذا تم تشكيلها. وسيطالب الديمقراطيون بوزارة الأمن الداخلي ووزارة التعليم وربما وزارة العدل. وثمة احتمالية كبيرة لحصولهم عليها. منذ انطلاق الحملة الانتخابية، يحرص يئير غولان والديمقراطيون على العمل ككتلة واحدة وتوفير الاستقرار المصطنع من ناحيتهم، في حين أن القطاع المضطرب على يمينهم، وفي الوسط، وفي معركة بين آيزنكوت وبينيت المدعوم من لبيد. ولكن قبل الإسراع إلى تقسيم جلد الدب قبل اصطياده، بقيت مهمة واحدة “صغيرة”، وهي هزيمة نتنياهو وتجنب مسار الكارثة.

------------------------------------------

معاريف 22/7/2026

ترامب بحاجة إلى إنجاز ما.. وسيجده في لبنان

بقلم: آفي أشكنازي  

الحديث يجدر بنا أن نبدأه من النهاية: في هذه اللحظة، يؤثر الحصار البحري الأميركي على مضيق هرمز في الإيرانيين، ويخنقهم اقتصاديا. والأمر الثاني الذي من المهم أن نعرفه هو أن إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد لن يتم، على ما يبدو، إلا باتفاق. والمشكلة هي أنه، ما دام النظام الحالي يحكم في طهران، فلن يكون هناك اتفاق لإخراج اليورانيوم. وبوجه عام، ليس لدى النظام مشكلة في أن يدفع شعبه ثمن الحصار البحري وثمن قصف الجيش الإسرائيلي في جنوب البلاد.

 وبخلاف صبر قيادة النظام الإيراني، فإن عقارب الساعة تركض بوتيرة متسارعة بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فكل ساعة مواجهة مع إيران، وإغلاق المضيق، ترفع أسعار النفط، وتزعزع الاقتصاد، وتفاقم غلاء المعيشة في الولايات المتحدة، وليس فيها وحدها. ولدى ترامب والحزب الجمهوري انتخابات منتصف الولاية في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وحتى ذلك الحين يجد نفسه ملزما بتحقيق إنجاز.

والخطوة التي شهدها أول من أمس، والمتمثلة في وصول الرئيس اللبناني جوزيف عون في زيارة رسمية إلى البيت الأبيض، فيما كانت تظهر في الخلفية مشاهد لمقاتلي الجيش الإسرائيلي وهم يخرجون من بلدة زوطر الغربية، في حين يدخل جنود الجيش اللبناني إليها ويتولون المسؤولية السيادية، تمثل صورة يمكن للرئيس الأميركي أن يلوح بها بوصفها إنجازا. ويضاف إلى ذلك أيضا تصريح الرئيس اللبناني، الذي أعلن أن الاتفاق التاريخي بين إسرائيل وبلاده تحقق بفضل الرئيس الأميركي، وهو ما سيسجل ضمن إرث الرئيس ترامب.

وعمليا، فإن دخول الجيش اللبناني إلى القرى الواقعة في منطقة النبطية، أول من أمس، لا يشكل مسألة جوهرية تتعلق بأمن إسرائيل.

وتقع البلدات الثلاث التي دخل إليها الجيش اللبناني خلف الخط الأصفر. ولم يدخل الجيش الإسرائيلي بلدتين من أصل هذه البلدات الثلاث مطلقا. أما البلدة الثالثة فقد طهرت، ثم انسحب منها الجيش الإسرائيلي، ونقل المسؤولية إلى الجيش اللبناني، المطالب الآن بإثبات قدرته على الحفاظ على السيادة اللبنانية، وتقع عليه مسؤولية إثبات ذلك.

وبالمناسبة، لا يسارع الجيش اللبناني إلى تولي المسؤولية عن مناطق أخرى في جنوب البلاد، لأنه يدرك حدود قدراته. لذلك، يستوعب الجيش الإسرائيلي أن الأمر سيتطلب منه البقاء في المنطقة مدة أطول، ويستعد لذلك، من بين أمور أخرى، عبر بناء تحصينات.

وعودة إلى إيران، فقد تحدث ترامب، أول من أمس، على مسمع من الرئيس عون ووسائل الإعلام العالمية، عن اتفاقات إبراهيم، وقال، من بين أمور أخرى، إنها "كانت نجاحا، وقريبا سترون كثيرا من الدول تنضم إليها". ويكتسب هذا التصريح حساسية خاصة بالنسبة إلى إيران، إذ إن انضمام دول أخرى في الخليج إلى الاتفاقات كفيل بإضعاف قوة إيران وتقويض أوراقها.

فعلى سبيل المثال، يمكن تمرير خط أنابيب لنقل النفط، وقد مد جزء منه بالفعل، من الخليج إلى إسرائيل، ومنها إلى البحر المتوسط. ويبقى السؤال: هل ستتمكن إسرائيل من توفير طوق النجاة للرئيس الأميركي للخروج من أزمة هرمز؟

----------------انتهت النشرة-----------------

disqus comments here