الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاحد 21/6/2026 العدد 1640

 الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

                              

هآرتس 21/6/2026

ايران لن تتخلى عن حزب الله

بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس

ما زال اعلان قيادة العمليات المركزية الإيرانية امس السبت، عن اغلاق مضيق هرمز بسبب “خروقات أمريكية وإسرائيلية لمذكرة التفاهم”، بانتظار الرد من دونالد ترامب، ولا يوجد حتى الآن ما يؤكد تنفيذ هذه الخطوة بالفعل. وحسب طهران فان الخروقات الإسرائيلية تشير الى عجز الولايات المتحدة عن الوفاء بالتزاماتها، ليس فقط فيما يتعلق بقضية لبنان، بل أيضا فيما يتعلق بمذكرة التفاهم بالكامل. يفترض ان ينهي هذا التفسير، الذي يعزز مبدأ “عدم الثقة الكامل” الذي أوصى به مجتبى خامنئي في المفاوضات، المفاوضات كلها. ولكن الاعلان عن اغلاق المضيق لا يدعو الى وقف المفاوضات ولا يشير الى نية الغاء سفر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الى سويسرا، حيث وصل مساء أمس قبل بدء المباحثات المهنية بين الوفود اليوم.

من المثير للاهتمام أيضا ان الإعلان عن اغلاق المضيق نشر بعد فترة قصيرة من اعلان وزارة الخارجية الإيرانية عن مشاركة وفدها في اللقاء. بعد ذلك أعلنت باكستان أيضا عن حضور الوفد الإيراني بدون التعليق عن الإعلان عن اغلاق المضيق. وما زال من غير الواضح اذا كان الإعلان عن الاغلاق قد تم بالتنسيق مع وزير الخارجية الإيرانية أو مع رئيس الوفد المفاوض، رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. هل اتخذت قيادة العمليات، بقيادة علي عبد اللاهي أو الأمين العام للمجلس الأعلى للامن القومي محمد باقر ذو القادر، قرار مستقل؟ وهل يعتبر هذا خلاف آخر بين تيارات وشخصيات في القيادة العسكرية والسياسية؟.

يجري توقيع مذكرة التفاهم واستئناف المفاوضات في ظل خلاف شديد – سياسي، أيديولوجي وشخصي – ليس بين المحافظين والاصلاحيين ،كما جرت العادة في الغرب من اجل تقسيم الفصائل الرئيسية في ايران، بل داخل التيارات المحافظة والمتطرفة. هذا لا يعتبر خلاف جديد، فقد سمع وشوهد نوع مشابه من الخلاف اثناء مناقشة وتوقيع الاتفاق النووي في العام 2015. مع ذلك، كان علي خامنئي في حينه يقود ايران، وقد رسخ سلطته ونفوذه خلال سنوات حكمه. وكان يمكنه فرض موقفه بدون أي اعتراض على خصومه ومنافسيه.

ابنه مجتبى، الذي لم يظهر على الملأ حتى الآن، اعطي رسميا تفويض لقيادة البلاد، لكنه تنقصه الخبرة والمكانة الشخصية المطلوبة لفرض قراراته. وقد ظهر ذلك بوضوح في الأسبوع الماضي في بيان أصدره في اعقاب التوقيع على مذكرة التفاهم حيث قال: “من حيث المبدأ كان لي موقف مختلف، لكن بعد ان تحمل الرئيس مسعود بزشكيان المسؤولية بالكامل، فانه اعطى موافقته على التوقيع عليها”.

ان القاء المسؤولية على بزشكيان، وهو رئيس عديم الصلاحيات كمدير عام يخضع لقرارات الزعيم الأعلى، لا يدل على قوة قيادية من النوع الذي تمتع فيه خامنئي الاب. إضافة الى ذلك حسب المنشورات في ايران فان خامنئي اشترط موافقته على التوقيع بموافقة ثلاثة ارباع أعضاء المجلس الأعلى للامن القومي، بما في ذلك القادة العسكريين. وحسب ما هو معروف فقد وقعوا جميعهم رغم عدم نشر تفاصيل التوقيع.

في نفس الوقت اثار توضيح خامنئي بانه غير راض عن المذكرة، وربما عن وجود مفاوضات مع الولايات المتحدة من الأساس، موجة انتقادات ضد المفاوضات، وشخصيا ضد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وعراقجي. وخلال المظاهرات التي نظمها النظام ارتفعت الأصوات مطالبة بإقالة قاليباف وبزشكيان. وفي وسائل الاعلام الرسمية ذكر الكتاب القيادة بضرورة “عدم نسيان الثار لدماء المرشد الأعلى الذي اغتيل على يد الصهاينة”. وقدم أعضاء البرلمان عريضة لخامنئي طلبوا فيها عرض أي مذكرة أو اتفاق يتوقع توقيعها مع الولايات المتحدة على البرلمان من اجل الموافقة عليها.

وصلت الازمة الى الذروة عندما هدد واعظ في مدينة شهر – ري التابعة لمحافظة طهران، بقتل بزشكيان، وقال: “سيدي الرئيس، اذا لم تنفذ الشروط التي وضعها المرشد الأعلى فسنكون نحن الذين سنقتلك، سنقوم بذبحك أنت وأبيك”. وردا على ذلك طلب نائب المتحدث باسم الرئيس من السلطات بـ “التحرك بحزم ضد العناصر المشبوهة التي تتجرأ على إهانة الرجل الثاني في القيادة والمنتخب من قبل الشعب، بهذه الطريقة غير المسؤولة”. لم يرد خامنئي حتى الان على الانتقادات، وخلافا لوالده لم يصدر تاييد صريح للمفاوضين أو المذكرة نفسها بعد التوقيع عليها.

لكن الانتقادات التي يواجهها قاليباف وطاقمه لا تاتي فقط من شخصيات غريبة أو من وسائل اعلام تابعة لمنظمات وحركات متطرفة. يشن قاليباف أيضا حملة داخلية ضد كبار القادة العسكريين، ورغم صداقته الطويلة مع مجتبى الا انه لم يحصل دائما على دعمه.

في يوم الأربعاء، في لقاء مع أعضاء غرفة التجارة في ايران، عرض قاليباف مباديء رؤيته حول مذكرة التفاهم والغرض من أي اتفاق مستقبلي بين ايران والولايات المتحدة. وقال: “يجب ان نقتدي بالشباب الذين يشغلون منصات اطلاق الصواريخ، وان نستخدم كل القدرات التي لدينا، وهي القدرات المطلوبة لخلق الازدهار والنمو الاقتصادي والتنمية الوطنية”. ويجد قاليباف، مثل بزشكيان وعراقجي، نفسه مضطر الى التوفيق بين الضغوط الشديدة والمتضاربة، التي تتجلى في تصريحات عامة متناقضة. وفي نفس اللقاء في غرفة التجارة، قال قاليباف: “أنا لست من الذين يقولون ان العقوبات مجرد حبر على ورق. لقد شاهدنا نمو بـ 12 في المئة في بداية العقد الأول من الالفية الثانية، ونرى بوضوح أين نحن الآن. ولكن اذا كان رفع العقوبات يعني الاستسلام فنحن لن نفعل ذلك ابدا. لقد اثبت الشعب الإيراني وقيادته الاستعداد للتضحية بالارواح، ولكنهم لن يستسلموا أبدا”.

وقد وجه الانتقاد العلني لمن يسخرون من العقوبات بوضوح، الى التيارات المحافظة التي شجعت على ما يسمى “اقتصاد الصمود” التي فشلت في مواجهة العقوبات، بما في ذلك خامنئي الاب وكبار قادة الحرس الثوري. وقد جاء ذلك بعد ان اعلن بزشكيان “المسؤولية” عن المذكرة، ووصف الهجمات على دول الخليج بانها “جنون” و”عدم مسؤولية” وحذر من ان ايران ستواجه ازمة اقتصادية شاملة اذا لم يتم التوصل الى وقف لاطلاق النار.

تقدم ايران مذكرة التفاهم على انها “انتصار كامل”، والسيطرة على مضيق هرمز كسلاح استراتيجي “ينهي عدم المساواة عسكريا”، والاقرار بالمزايا الواضحة الكامنة في الوثيقة، والمتوقعة منها في الاتفاق الدائم مع الولايات المتحدة. المفارقة تكمن في ان الرابح الأكبر من المذكرة والاتفاق هو الحرس الثوري بالتحديد، الذي سيحصل على النصيب الأكبر من مليارات الدولارات التي ستدخل الى خزينة الدولة. سيصبح الحرس الثوري، الذي يسيطر على 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وعلى مئات الشركات المدنية واحتكار المناقصات الحكومية للبنى التحتية والتنمية، المستفيد الأول بشكل مباشر من الافراج عن حوالي 24 مليار دولار، التي سيتم صرفها بالتدريج حسب التقدم في المفاوضات. بعد ذلك سيستفيد من الافراج عن أصول إضافية تقدر بأكثر من 100 مليار دولار، ورفع العقوبات الدولية، معظمها العقوبات الامريكية، إضافة الى بيع النفط الذي بدأ بالفعل بعد ان رفع ترامب الحصار عن مضيق هرمز. عمليا، وافق الطرفان على مذكرة التفاهم واستمرا في التفاوض، لكنهما ما زالا يواجهان صراع سياسي على السلطة.

ظاهريا، حققت ايران طموحها السياسي عندما فرضت على الولايات المتحدة إسرائيل وحدة الساحات بينها وبين لبنان، وفرضت وقف اطلاق النار وأوقعت دول الخليج في مازق استراتيجي في علاقاتها مع الولايات المتحدة. لا يتم طرح القضية النووية التي هي سبب الحرب، في ايران كاحد أسس الامن القومي، حيث انها لا تسعى علنا الى تطوير سلاح نووي، بل وافقت على الالتزام بذلك في مذكرة التفاهم. وخلافا للصواريخ البالستية التي تعتبر غير قابلة للتفاوض بسبب أهميتها الحيوية للامن القومي، يتم عرض المشروع النووي على انه “حق سيادي” يجب على الولايات المتحدة والعالم احترامه. من هنا يكمن في المفاوضات النووية مبدأ الهيبة أو “نفي الاستسلام” الذي تحدث عنه قاليباف. لن يقتصر هذا الملف على المفاوضات مع الولايات المتحدة فقط، بل سيتناول النقاش السياسي الداخلي والخلافات داخل ايران، التي ستحدد القوة التي ستملي سياسة طهران في كل مجال تحت حكم خامنئي الابن. هذا هو حقل الألغام القابل للانفجار، الذي لا يعتمد فقط على تنازلات ترامب.

------------------------------------------

يديعوت احرونوت 21/6/2026

بين تبنيت وهرمز: ثمن تلة أخرى بلا هدف

بقلم: رونين بيرغمان

لا يجري استخدام القوة في لبنان في فراغ. فهو يحدث في وقت تشعر فيه إسرائيل بالإحباط من الاتفاق الأمريكي الإيراني، وفي وقت يدعو فيه متحدثون بارزون على قناة الحاكم إلى تعطيله، وفي وقت يحاول فيه نتنياهو بثّ هجمات على القاعدة التي ترفض فكرة أن واشنطن تُبرم اتفاقًا مع طهران من فوق رأسه اسرائيل.

هنا يكمن خطر جسيم: فالعمل العسكري الذي لا صلة له بالأحداث على الأرض سيتحول إلى أداة لتنفيس الإحباط السياسي.

عندما تشنّ طائرة مسيّرة تابعة لحزب الله هجومًا عنيفًا في المنطقة الصفراء، فإنّ الهجوم على الضاحية أو شمال لبنان لا يحلّ بالضرورة المشكلة العملياتية. لكنّه قد يُعبّر عن معارضة للاتفاق، ويُثير غضب واشنطن، ويُزوّد ​​إيران بذخيرة للادعاء بأنّ إسرائيل تنتهك النظام الإقليمي الجديد.

قد يكون ثمن هذه الديناميكية باهظًا جدًا، يفوق ثمن يوم آخر من القتال في لبنان. فإذا اقتنع ترامب بأنّ إسرائيل تُعرّض للخطر الاتفاق الذي يعتبره إنجازًا شخصيًا، فقد يُقدّم لإيران تنازلات إضافية لإنقاذه، وحينها ستدفع إسرائيل الثمن مرتين: خسائر وتآكل في لبنان، واتفاق أسوأ مع إيران. وإذا ما أدّت إسرائيل إلى فشل ترامب علنًا في المفاوضات، فقد ينتهي الأمر بدفع ثمن باهظ في خزينة القدس: غزة، والضفة الغربية، وإمدادات الأسلحة، وحرية العمل في لبنان، وربما حتى العلاقات مع أكثر الحكومات ودًّا التي يُمكن لإسرائيل أن تتخيّلها. لقد مرّت إسرائيل بهذا السيناريو من قبل. دخلت إسرائيل لبنان عام 1982 بهدف ردع التهديدات عن المستوطنات الشمالية، وأنشأت منطقة أمنية، وبقيت فيها 18 عامًا. في البداية، قُدّمت المنطقة كخط دفاعي، لكن مع مرور الوقت، تغيّر معناها وأصبحت مهمة بحد ذاتها. في تلك اللحظة، تحوّلت المنطقة الأمنية إلى فخ: فكل موقع متقدم يحتاج إلى موقع آخر لتأمينه؛ وكل قمة مرتفعة تحتاج إلى تلة أخرى فوقها؛ وكل هجوم خلق مبررا للرد، وكل رد يزيد من حدة التوتر. وبحلول وقت الانسحاب عام 2000، لم تعد إسرائيل تتبع سياسة أمنية في الشمال فحسب، بل حرب مصممة لتبرير استمرار وجودها في لبنان.

والآن، بعد أكثر من ربع قرن على الانسحاب، تعود إسرائيل إلى نفس المنحدر الخطير. لكن رؤساء الحكومات لا يتنافسون إلا فيما بينهم. من ذا الذي يُسهب في وصف إعادة احتلال البوفور بحماسٍ بالغ، وكأنها الحي اليهودي بعد حرب الأيام الستة، لا رمزًا ملعونًا لحكومةٍ توهمت إمكانية تغيير السلطة في بلدٍ معادٍ، فوجدت نفسها غارقةً في مستنقعٍ من الدماء، وثمنها باهظٌ مُلطخٌ بدماء مئات الجنود التي أُريقت عبثًا؟

هذه المرة، ليس الأمر متعلقًا بالشريط الأمني ​​القديم، بل بخط جبهة جديد أصفر اللون، مُغلّف بمصطلحات حديثة: مجال دفاعي، وإزالة التهديدات، وبنية تحتية تحت الأرض، ومراكز ثقل. لكن السؤال القديم يعود بحدة: هل تحتفظ إسرائيل بالأراضي لحماية مواطنيها، أم أنها تُعرّض جنودها للخطر لتبرير احتفاظها بالأراضي؟

 الاطلالة الأولى على الفخ

في الأيام الأخيرة، تبلورت لدينا أولى ملامح كيف يمكن للاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران أن يُقيّد إسرائيل وتحديدًا في الساحة اللبنانية. حادثة الدبابة التي قُتل فيها أربعة جنود إسرائيليين لم تُتضح ملابساتها بعد. فإذا كانت الحادثة التي أشعلت فتيل يوم المعركة بأكمله غامضة، وإذا لم يُثبت أن حزب الله هو من هاجم الدبابة، فقد كان من الأجدر التحقق، وتوضيح الحقائق للجمهور، ثم تحديد كيفية الرد. بدلًا من ذلك، سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى التوعد برد قاسٍ. شنّ سلاح الجو هجومًا على لبنان. ردّ حزب الله. شنّت إسرائيل هجومًا آخر. ثمّ ادّعت إيران، التي قرأت الخريطة أسرع من بعض صنّاع القرار في القدس، أن إسرائيل تنتهك الاتفاق، وبدأت تُهدّد مجدداً بورقة هرمز.

وهكذا، نشأت صلة جديدة وخطيرة: بين دبابة مُحترقة في جنوب لبنان وأهمّ ممرّ ملاحي للاقتصاد العالمي. بين قرية تبنيت وهرمز. بين حدث تكتيكي غامض ومفاوضات أمريكية إيرانية لا تُشارك فيها إسرائيل أصلاً، لكنها قد تدفع الثمن.

جزء أساسي من التعقيد يتعلّق بالجدول الزمني. يقول مصدر أمني رفيع: “بسبب الانتخابات، لا يستطيع نتنياهو الانسحاب. لأنّ ترامب يُديرنا ويُعرقلنا ولا يسمح لنا بالقتال هناك. تعقيد خطير”.

بعد الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، نشرت إسرائيل خريطة بخطّ أصفر جديد في جنوب لبنان. تُقدّر مساحة المنطقة المحصورة بين الحدود الدولية وهذا الخطّ بأكثر من 600 كيلومتر مربع، وتضمّ نحو 60 قرية. من وجهة نظر إسرائيل، تُعتبر هذه منطقة دفاعية متقدمة. أما من وجهة نظر حزب الله ولبنان وإيران والعالم أجمع، فتبدو وكأنها احتلال إسرائيلي لمنطقة يتمركز فيها عناصر حزب الله.

وهنا تكمن المشكلة. فمن المستحيل إرساء وقف إطلاق نار حقيقي في مثل هذه المنطقة ما لم يتم الاتفاق مسبقًا على وضعها وما يُسمح لكل طرف القيام به داخلها. ويشارك الجيش الإسرائيلي، بقوات محدودة، في تطهير المنطقة؛ بينما يواصل حزب الله عملياته هناك؛ وأي اشتباك محلي قد يتحول إلى أزمة إقليمية، إن لم تكن عالمية.

هذا وقف إطلاق نار مشروط، ضمن منطقة لم يُحدد شرط وقف إطلاق النار فيها. عندما تُطلق وحدة من حزب الله طائرة مسيرة أو تشن هجومًا على قوة داخل المنطقة الصفراء، تعتبر إسرائيل ذلك انتهاكًا. لكن من الخارج، وبالتأكيد من طهران، يثور التساؤل حول سبب عدم اعتبار العمل الإسرائيلي نفسه في تلك المنطقة استمرارًا للأعمال العدائية. تتوقع إسرائيل من العالم أن يتقبل التمييز الذي تُجريه بين العمل داخل المنطقة الدفاعية، وهي منطقة حددتها ورسمت خريطتها، والعمل خارجها. يبدو هذا التمييز منطقيًا في الإحاطات العسكرية، لكنه ينهار فورًا في الساحة السياسية.

يكتب غال بيريل، رئيس القطاع البري ورئيس تحرير مجلة الجيش الإسرائيلي “بين القطبين”، وهو نقيب في الاحتياط بتشكيل “سهام النار” للمظليين: “إن المنطقة الأمنية التي احتلها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والمعروفة باسم “خط دفاع مضادات الدبابات”، والتي تهدف إلى منع القصف المباشر المضاد للدبابات على المستوطنات، هي حل جزئي للغاية، إذ يمكن لحزب الله أيضًا إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة من مسافات أبعد”. ويضيف بيريل أنه إذا كان لا بد من إبقاء قوات في لبنان، فيجب أن تقتصر على شريط ضيق، ضمن مفهوم دفاعي صارم وفعال، لضمان عدم تكرار أحداث 7 أكتوبر. وكل ما عدا ذلك مضيعة للوقت والمال والدماء.

وقد أوضحت تصريحات المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي مساء الجمعة مدى خطورة المشكلة. وأكد العميد إيفي دافرين أن التعليمات الموجهة للقوات على الأرض لم تتغير. يواصل الجيش الإسرائيلي قتل الإرهابيين في منطقة الدفاع وإبعاد التهديدات عن سكان الشمال. عسكرياً، يبدو هذا بديهياً. أما سياسياً، فهذه تعليمات من شأنها أن تُشعل فتيل المواجهة القادمة على الأرجح.

يواصل الجيش الإسرائيلي القتال داخل منطقة حددها بنفسه كمنطقة دفاعية، لكنه لا يزال لا يسيطر عليها سيطرة كاملة. سيستمر جنود الجيش الإسرائيلي في مواجهة عناصر حزب الله؛ وسيستمر عناصر حزب الله في إطلاق النار، ونصب الكمائن، وإطلاق الطائرات المسيرة، أو الاختباء؛ وستواصل إسرائيل الرد؛ وسيرد حزب الله بالمثل. كل هذا سيحدث تحت ستار وقف إطلاق النار، بينما تحاول الولايات المتحدة إقناع إيران بأن الحرب في المنطقة قد انتهت. هذه هي الآلية التي قد تحول حدثًا محليًا إلى أداة ضغط إيرانية.

 خطوة هنا، خطوة هناك

المشكلة العملياتية ليست جديدة. فبعد عملية في لبنان في تموز 1981، عندما داهمت قوة مظلية قاعدة إرهابية، طُرح الادعاء في التحقيق بأنه إذا داهمت تلة، فعليك أيضًا السيطرة على التلال التي تسيطر عليها. وقد ذكّر الفريق رافائيل إيتان، رئيس الأركان آنذاك، مازحًا كل من قاتل في لبنان بما تعلمه بصعوبة: فلكل تلة تسيطر عليها، هناك تلال أخرى تسيطر عليها. هذه ليست ملاحظة تكتيكية، بل هي عقيدة الكمين اللبناني.

في عصر الطائرات المسيّرة، والصواريخ المضادة للدبابات، والصواريخ، والذخائر الدقيقة، حتى العمق الإضافي لا يضمن الأمن. قد يكسب الوقت، ويُحسّن ظروف الهجوم، ويُصعّب شنّ غارة برية على غرار هجمات 7 أكتوبر، لكنه لا يقضي على التهديد.

لذا، فالسؤال ليس ما إذا كان من الصواب الحفاظ على منطقة أمنية، بل ماذا يحدث عندما تتسع هذه المنطقة لتشمل عشرات القرى ومئات الكيلومترات المربعة، وعندما تتلاشى الغاية التي يُبذل من أجلها كل هذا، والتي يُدفع ثمنها باهظًا، وتتأرجح بين الدفاع عن الشمال وإضعاف حزب الله عمومًا، وإعداد منطلقات مستقبلية، أو ممارسة ضغط سياسي على الاتفاق مع إيران.

هنا يظهر ضعف آخر: من المفترض أن تكون المناورة البرية أداة حاسمة، لكن يجب أن تخدم هدفًا واقعيًا وواضحًا. ما تفعله إسرائيل الآن يبدو وكأنه خطوات متقطعة: خطوة نحو ترسيخ خط دفاعي مُحسّن، وأخرى نحو عمليات تُوحي برغبة في الحسم، دون امتلاكها القوة والوقت والشرعية وحرية التصرف اللازمة لإتمام ذلك.

يخلق هذا وضعًا تتلاشى فيه كل إنجازات التكتيك فورًا لعدم ارتباطها برؤية استراتيجية. تُهدر القوة بالفعل في الصمود، وفي ردود الفعل، وفي التوسع الجزئي. وعندما لا تكفي القوة للمضي قدمًا، ولا يُتخذ قرار بالانسحاب، تنشأ منطقة أمنية جديدة.

ينظر كبار المسؤولين في إسرائيل إلى الوضع بقلق بالغ. جزء من هذا القلق نابع من عدم تساؤل الجيش عن الغاية من كل هذا. فالقيادات السياسية، كما يظن الكثيرون في أعلى هرم المؤسسة الدفاعية، تتوق إلى تقويض الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وتفرض أو تُقرّ تحركات خطيرة وغير منطقية وعقيمة لا طائل منها على الجيش، بينما يكتفي الجيش بالإيماء والمضي قدمًا كمقاول تفجير لتنفيذ المهام دون أن يُبدي أي اعتراض.

بعد أن وقف رئيس الأركان زمير شامخًا في وجه احتلال غزة وقتل الرهائن، وبدلًا من أن يُكرّس وقته لمبعوثي الحاكم الأعلى (حزب الله، حماس، الجهاد، الحوثيين، وغيرهم)، يُحوّل الجيش الإسرائيلي المتهالك إلى أدواتٍ لمبعوثي حاكمٍ آخر، إلى أبواقٍ للقائد الأعلى، ويختطف الرهائن بمقاليع مسمومة. يُطلق عليه مستشار نتنياهو لقب رئيس الأركان المُنطوي، ويُحمّله مسؤولية تقاعس رئيس الوزراء. في هذا الوضع، ليس من المستغرب أن يخشى الجيش، في كثير من الأحيان، التعبير عن رأيه.

ولا، لا يتعلق الأمر هنا بالتوقف عن حماية التجمعات الشمالية أو تقليصها، بل على العكس تمامًا. لكن الدفاع الجاد ليس إعادة بناء تلقائية للمستنقع الذي خرجت منه إسرائيل عام 2000. على الجيش الإسرائيلي أن يُخبر القيادة السياسية بما ترفض سماعه: إذا كانت المهمة منع التوغل، فربما يكون من الممكن الحفاظ على خط دفاعي أضيق وتحسين الدفاع بشكل جذري. أما إذا كانت المهمة هزيمة حزب الله في جنوب لبنان، فالمطلوب عملية مختلفة، وهدف مختلف، وقوة مختلفة، واتفاق سياسي مختلف. وإذا كانت المهمة هي الاستمرار في التقدم، والرد، والتطهير، والصمود، والانتظار، فهذه ليست مهمة ولا تقدماً، بل جمود.

تكمن المشكلة الكبرى في أن اللغة العسكرية تُتيح إخفاء غياب نتيجة حاسمة، كما قيل سابقاً في لبنان. لكن في النهاية، يجب فحص أي صياغة من هذا القبيل بسؤال واحد: هل تُقرّب اليوم الذي يصبح فيه سكان الشمال أكثر أماناً ويقل فيه تعرض جنود الجيش الإسرائيلي للخطر، أم أنها تُضيف مجرد مبرر آخر للبقاء في الميدان؟

تبدأ المنطقة الأمنية دائماً بوعد بإزالة التهديد. يستمر الأمر كمنطق جغرافي. ويترسخ عندما يبدأ الجنود بحماية الخط أكثر مما يحمي الخط المدنيين. وينتهي، إن لم يُوقف في الوقت المناسب، بسنوات من التآكل والخسائر، وسؤال عام يُطرح بعد فوات الأوان.

بين هرمز والنبطية، وبين اتفاق إيراني ودبابة في جنوب لبنان، تواجه إسرائيل مجدداً السؤال نفسه: هل تخوض حملة لها هدف وغاية وغرض، أم أنها تعود إلى وضع يخلق فيه كل يوم حاجة لليوم التالي؟ يجب طرح هذا السؤال الآن، قبل أن يصبح الخط الأصفر الحزام الأمني الجديد.

------------------------------------------

هآرتس 21/6/2026

علامات استفهام قاسية بعد توغل الجيش الاسرائيل في الأراضي اللبنانية

بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس

بعد ليلة صعبة أخرى، شهدت قتل أربعة مقاتلين إسرائيليين واصابة خمسة آخرين في حادثين في جنوب لبنان، أعلنت الإدارة الامريكية بعد ظهر يوم الجمعة وقف جديد لاطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. قبل ذلك بساعات قصفت إسرائيل مواقع لحزب الله في قرى في المنطقة، ووعد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو برد قاس على حزب الله. ولكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدخل مجددا وفرض وقف للقتال.

عمليا، مثلما في الجولات السابقة، ما زال وقف اطلاق النار غير مفعل فعليا، ويستمر القتال بشكل متقطع على طول بعض خطوط التماس بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله. ولكن رغم التصريحات الشديدة لوزراء الحكومة الا أنه يتضح الاتجاه بالتدريج: ترامب حريص على تنفيذ مذكرة التفاهم التي وقعها مع ايران ووقف الحرب في الخليج، وهو يخشى ان تعرقل إسرائيل خططه بتصعيد الصراع في لبنان. لذلك، يحاول الرئيس وقف القتال هناك أيضا. ايران، التي تعرف عمق التورط الاستراتيجي الذي زجت فيه إسرائيل نفسها، تستغل الوضع من اجل حث حزب الله العمل على امل ربط الجبهتين. وبسبب الضغط الذي يتعرض له ترامب فان ايران تعتقد كما يبدو انها ستتمكن من انتزاع المزيد من التنازلات منه عبر إسرائيل.

من ناحية إسرائيل ربما يكون هذا أسوأ سيناريو ممكن: ارتفاع عدد الضحايا (افيد في هذا الأسبوع عن قتل خمسة جنود إسرائيليين في لبنان)، وواقع إقليمي خطير تفرض فيه اتفاقيات إشكالية عليها في قطاعات كثيرة، وأزمة سياسية داخلية، وربما اخطر مشكلة على المدى البعيد: اتساع الفجوة مع الإدارة الامريكية الصديقة. ترامب يرسل رسائل متضاربة تشمل اطراءات غريبة بعض الشيء لنتنياهو، الى جانب بعض الاهانات الطفيفة، لكن نائبه جي دي فانس، الأكثر انتقادا، عبر بوضوح عن موقف واشنطن: من الأفضل لإسرائيل التزام الصمت وتحمل العواقب، لان اعتمادها على الولايات المتحدة يكاد يكون تاما.

وقعت آخر الحوادث في لبنان، التي قتل في احدها قائد الكتيبة 52 في سلاح المدرعات، المقدم دور بن سمحون، وثلاثة من افراد طاقم الدبابة قرب قرية تبنيت وسلسلة جبال علي طاهر في شمال قلعة شقيف ونهر الليطاني. كان الجيش الإسرائيلي قد نشر قواته هناك قبل وقف اطلاق النار، في محاولة للسيطرة على مركز قيادة واطلاق صواريخ تحت الأرض تديره جماعة حزب الله. كان التقدم بطيء وترافق مع خسائر في الأرواح. قتل افراد طاقم الدبابة الأربعة بعد منتصف يوم الخميس، فجر الجمعة، لم تتضح ملابسات الحادث حتى الآن: طرحت احتمالية انه تم استخدام مسيرة مفخخة أو هجوم صاروخي مضاد للدروع. وقد واجهت عملية انتشال جثث القتلى صعوبة بسبب وعورة التضاريس واستمرار اطلاق النار في المنطقة.

وصف الجيش الإسرائيلي الهدف الذي تم استهدافه بانه مركز ثقل حيوي لحزب الله وانه يجب استهدافه حتى مع اقتراب الحملة من نهايتها بتوجيه القاضي الأمريكي. وقد خفض الجيش الإسرائيلي نشاطاته الهجومية في لبنان وامتنع عن شن هجمات جوية على بيروت بضغط من ترامب. وما زال الجيش الإسرائيلي يتمركز على خط من المواقع على بعد حوالي 10 كم شمال الحدود مع لبنان. ولكن من غير الواضح الى متى سيبقى هناك. أيضا يمكن لترامب ان يامر نتنياهو بالانسحاب اذا راى ان التوتر في لبنان ما زال يهدد الهدوء الذي حققه في الخليج، في حين انه يستجيب بشكل شبه كامل لجميع طلبات النظام الإيراني.

تثير هذه الظروف تساؤلات جدية حول استمرار تواجد الجيش الإسرائيلي في المنطقة، لا سيما ان دخوله اليها في بداية آذار بذريعة الحملة الثانية في ايران، كان مثير للجدل. ويصعب جدا حماية القوات في ظل هذه الظروف، في ظل غياب حل فعال ضد المسيرات التي تعمل بالالياف الضوئية، وعدم وجود ترخيص باستخدام القوة النارية الثقيلة. إضافة الى ذلك لا تسيطر سلسلة جبال علي طاهر البعيدة على النيران الموجهة نحو المستوطنات الحدودية الشمالية على الجانب الإسرائيلي. ويبدو ان الجيش الإسرائيلي قد توغل كثيرا داخل الأراضي اللبنانية بغض النظر عن الهدف الأصلي للعملية. والثمن باهظ جدا بالارواح.

لا تتم مناقشة هذه الأمور في المجلس الوزاري، وبالتاكيد لا تطرح علنا على الرأي العام. أيضا صوت الجيش لا يسمع بالقدر الكافي من القوة. يعرف كثيرون في هيئة الأركان العامة ان وضع القتال الحالي لا يخدم أي غرض استراتيجي مجد، وان معظم تحركات القوات تتمحور حول نشر المواقع الامامية والتدمير واسع النطاق، الذي يصل أحيانا الى درجة الوحشية، للقرى اللبنانية جنوب الليطاني. ولكن ما يقوله الجيش بالفعل للقيادة السياسية هو ” قولوا ما تريدون ونحن سنفعله”، بدون اجراء نقاش عميق حول الأهداف والوسائل المطلوبة لتحقيقها.

أما نتنياهو نفسه فهو في وضع صعب على الصعيدين الشخصي والسياسي، وهو ما بدأ ينعكس أيضا في الاستطلاعات الأخيرة. يصعب الاستمرار في ترويج، حتى لبعض ناخبيه المخلصين، صورة النجاح عندما تنتهي الحملة في ايران بدون تحقيق الوعود، وفي ظل قتل جنود في لبنان وتعرض المستوطنات الحدودية للهجوم وتذمر الجيش من عجزه. من جهة أخرى، قد يتخذ ترامب خطوات إضافية ضده، حسب تلميحات فانس، وربما حتى في اتجاه فرض قيود على توريد السلاح، اذا حاول تخريب الاتفاقيات.

لكن هذا لا يمنع الوزراء من مواصلة الاحتجاج. فامس دعا احد الوزراء الى قتل الف لبناني مقابل كل قتيل في الجيش الإسرائيلي، واعرب وزير آخر عن حزنه على وفاة بن سمحون، لكنه اخطأ في كتابة اسمه الأول، واصدر وزير ثالث بيان حداد على وفاة “المقدم من غولاني”، في حين كان المتوفى في الواقع هو قائد في سلاح المدرعات. على شاشة التلفزيون اشتكى وزراء من انهم هم، وليس “صاحب الشعر الأحمر” (ترامب)، الذين يجب ان يحضروا الان جنازات الجنود الأربعة. في الواقع لم يحضر أي ممثل حكومي جنازة قائد الكتيبة. من جهة أخرى حرص رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت على الحضور.

الروليت الروسية

جثمان المقدم بن سمحون دفن بعد ظهر أول امس في مقبرة كيبوتس بيت شيتا. وتحت اشعة الشمس الحارقة احتشد تقريبا ألف مدني وعسكري لالقاء النظرة الأخيرة. وقدم قائده، قائد الفرقة 162 العميد سغيف دهان، اعتذار نيابة عن الكثير من أصدقائه الذين ما زالوا يقاتلون في لبنان.

ومن كلمات التابين في الجنازة يمكن للمرء ان يستشف الانطباع نفسه الذي ترسخ خلال سلسلة اللقاءات القصيرة في السنوات الأخيرة مع بن سمحون، المتزوج من ضابطة في الخدمة الدائمة، وهو أب لولدين صغيرين: شاب ذكي، موهوب وساحر، يتمتع بروح دعابة نادرة في الأوساط العسكرية، حيث تسود الجدية المفرطة بين معظم العاملين.

في الساحة قبل دخول كيبوتس شيتا كتب احدهم بخط اليد على لافتة “الى متى”، اس.أو.اس (انقذونا)، لكن لم يكن هناك أي تلميح سياسي أو صوت احتجاج في الجنازة نفسها. وتحدث شقيق سمحون، الذي رثاه، عن ضرورة ضرب الأعداء. وقال الضباط ان عليهم مواصلة المهمة حتى لو لم يوضحوا على أي أساس يستند الهدف بالتحديد.

من المرجح ان تستمر لعبة الروليت الروسية التي يمارسها الجيش الإسرائيلي في لبنان في الأسابيع القادمة، تبعا لردود فعل ترامب. ويبدو ان نتنياهو والوزراء متشائمون جدا، ويبدو ان الجيش يخشى من مواجهتهم بشان اهداف الحرب. في نهاية المطاف ربما هذه المرة أيضا سيظهر سياسي – بينيت؟ غادي ايزنكوت؟ يئير غولان؟ – ليقدم للجمهور ما يحدث في لبنان والصلة الواهية بينه وبين التصريحات المتعلقة باستعادة الامن لمستوطنات الشمال.

------------------------------------------

هآرتس/ ذي ماركر 21/6/2026

سموتريتش ينوي تحويل مئات ملايين الشواقل للمستوطنات كهدية وداع

بقلم: ناتي توكر

رغم تذبذب دعم الحكومة الحالي، وصعوبة تمرير القوانين في الكنيست، ما زال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ينوي تمرير سلسلة تحويلات مالية قطاعية، مثيرة للجدل، في الأسابيع القادمة. ويتوقع ان تكون بعض هذه القرارات بعيدة المدى وان تكون ملزمة للحكومات المستقبلية أيضا.

يتوقع ان يقدم سموتريتش في القريب مشروع قرار للحكومة من اجل المصادقة عليه، يقضي بزيادة ميزانية لقضيو “الهوية اليهودية”. ينص القرار على تحويل 200 مليون شيكل إضافية الى هذا المجال ضمن خطة ثلاثية السنوات (من 2026 الى 2028). هذا يعني انه لن يتم تخصيص جزء من الأموال في هذه السنة فقط، بل ان الحكومة أيضا يمكنها التعهد في هذه السنة بواسطة اتفاقيات وتعاقدات بانفاق الميزانيات المستقبلية. واذا حدث ذلك فقد تجد الحكومة القادمة صعوبة في الغاء هذا التحويل حتى لو ارادت ذلك.

هذه الزيادة على ميزانية “الهوية اليهودية” يتم التخطيط لها رغم تخصيص 82 مليون شيكل في ميزانية العام 2026، يتم تخصيصها لقسم الهوية اليهودية في مكتب رئيس الحكومة، و60 مليون شيكل لقسم الثقافة اليهودية، إضافة الى مئات ملايين الشواقل التي يتم تحويلها الى وزارة التراث والتقاليد والمهمات الوطنية وغيرها.

تحويل ميزانيات

هذا ليس التحويل القطاعي الوحيد الذي يخطط له سموتريتش. فوزارة المالية تتحدث عن عدة قرارات مقترحة يتوقع ان تصل في القريب الى الحكومة من اجل المصادقة عليها، وذلك لتحويل الأموال من اجل تلبية احتياجات الائتلاف. ويقر مصدر في وزارة المالية بان “أموال طائلة سيتم ضخها”. وتتوقع الحكومة ان يحاول سموتريتش استغلال الأشهر الأخيرة في ولايته للدفع قدما بأكبر عدد ممكن من القرارات التي يمكنها تعزيز نفوذه السياسي.

على سبيل المثال، بعد ان نجح في تنظيم اعفاء ضريبي جديد على الدخل لسكان المستوطنات من خلال قانون صادقت عليه الكنيست، يروج سموتريتش لقرارات تهدف الى توسيع نطاق تعريف المناطق ذات الأولوية الوطنية بشكل كبير. تعمل وزارة المالية على قرار يعرف المناطق القريبة من الحدود الشرقية لإسرائيل كمناطق لها أولوية وطنية، وعلى قرار إضافي، توسيع نطاق المناطق الواقعة على الحدود الغربية، حول قطاع غزة، المصنفة كمناطق لها أولوية وطنية، الامر الذي سيسمح باعطاء هذه المناطق ميزات وحوافز إضافية.

إضافة الى ذلك تناقش وزارة المالية اقتراحات أخرى لقرارات حكومية من شانها تحويل مبالغ كبيرة من الميزانيات، في السنة المالية الحالية وفي السنوات القادمة، الى اهداف مثيرة للجدل. بعض هذه القرارات يتم ترويجها من قبل مكتب المدير العام لوزارة المالية، إسرائيل ملاخي، الخبير في تحويل الأموال لتلبية احتياجات سموتريتش السياسية.

على الفور بعد المصادقة على ميزانية الدولة، حرص سموتريتش على تخصيص لنفسه جزء من الأموال يمكنه استخدامه طوال السنة. فقد تمت الموافقة على حوالي 5 مليارات شيكل من أموال الائتلاف ضمن ميزانية الدولة – باستثناء 300 مليون شيكل كانت تعتبر في السابق من أموال الائتلاف ومدرجة في أساس الميزانية – إضافة الى مئات ملايين الشواقل الأخرى المخصصة للتعليم الحريدي.

حتى الان لم يتم توزيع الأموال بالكامل، الامر الذي يعني ان مليار شيكل على الأقل ما زال في خزينة الائتلاف. أيضا احتفظ سموتريتش بـ “خزينة صغيرة” في الميزانية بمبلغ 1.3 مليار شيكل تقريبا، مخصصة لـ “تعزيز مشاريع السلطات المحلية”. ولكن في الواقع يتم تحويل الأموال من هذا البند الى احتياجات الائتلاف المختلفة. إضافة الى ذلك خصصت الحكومة في القرار الذي صادق على ميزانية الدولة للعام 2026، مبلغ إضافي ضخم يقدر بـ 2.75 مليار شيكل للخطة الخمسية ليهودا والسامرة.

امتنع مكتب وزير المالية عن التعليق على الخبر.

 ------------------------------------------

 

 

 

يديعوت 21/6/2026

وسط ضباب الاتفاق مع إيران والحملة في لبنان، القيادة الإسرائيلية ستجد كبش فداء

بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية – مركز ديان جامعة تل أبيب

وسط ضباب كثيف وإحباط يكتنف الاتفاق مع إيران والحملة في لبنان، تبرز حقيقة واحدة، متوقعة تمامًا: أن القيادة الإسرائيلية ستجد كبش فداء للمشاكل، وأنه لن يكون هناك تحقيق في الأخطاء المتعلقة بالفجوة بين الوعود التي انطلقت بها حرب “زئير الأسد” والواقع الحالي، الذي يجسد تراجعًا استراتيجيًا مقارنةً بالواقع الذي كان سائدًا حتى نهاية شباط.

بالفعل، عندما تنهار كل الأوهام، كما حدث الأسبوع الماضي مع توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، يُعثر فورا على الجاني. ينصبّ التركيز هذه المرة على “ضعف” ترامب وصنّاع القرار في واشنطن، والذي يكاد يصل إلى حدّ الخيانة، بل ويجد البعض “مؤشرات على معاداة السامية” في تصريحاتهم. كل هذا في حين يُظهر كبار المسؤولين الإسرائيليين انفصالاً خطيراً، ويتأملون في بدائل للتحالف مع واشنطن، ويتباهون بقدرة إسرائيل على الاكتفاء الذاتي.

يحاول صنّاع القرار تصوير الوضع المتردي الناجم عن الاتفاق السيئ مع إيران، والتورط في لبنان، والأزمة مع واشنطن على أنه “تحدٍّ جماعي”. صحيح أن الضرر والتهديد هما في جوهرهما شأن وطني، لكن الفشل الذي أدى إليهما ينبع من سياسات قيادة لا تحظى بتوافق داخلي. وتتجلى ظاهرة مماثلة أيضاً في سياق تصاعد الانتقادات الدولية للإرهاب اليهودي المتنامي في الضفة الغربية، والذي يُوصف بأنه هجوم شرس ضد إسرائيل، كما تجلى في المقاطعة التي فرضها ساعر على وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي.

في ظلّ الفخ الاستراتيجي متعدد الساحات الذي تغرق فيه إسرائيل، لم يبقَ أمامها سوى إنجاز واحد تتباهى به: الاستيلاء على أراضٍ على ثلاث جبهات، والادعاء بأننا بذلك غيّرنا الواقع وعزّزنا أمننا. وهناك أيضاً في الحكومة من يعدون بالمضي قدماً في عمليات الطرد والضم والاستيطان في المناطق التي تم الاستيلاء عليها، أي بعبارة أخرى، فرض رؤية فئوية مُقنّعة بـ”مشروع يخدمنا جميعاً”.

هنا تحديداً يُطلب من الشعب أن يُثبت أنه استوعب دروس السابع من أكتوبر، وأن يُشكّك بشكل حاسم في الافتراضات المفروضة عليه من أعلى. في هذا السياق، عليه أن يتساءل عن معنى البقاء المطوّل في جميع الأراضي المحتلة، وما هو الثمن الأمني ​​والسياسي الذي ينطوي عليه ذلك، وهل ثمة بديل (عقلاني) يتمثل في نشر قوات – محلية وأجنبية – في المنطقة المعادية، مع الحفاظ على حرية العمل ضد العدو.

كل هذا بالإضافة إلى التساؤلات حول هدف الحرب الحالية: أي من الأهداف الرئيسية تحققت، إن وُجدت؟ من أين نشأ الاعتقاد بإمكانية الإطاحة بالنظام الإيراني وإشعال ثورة عبر “قطع رأس القيادة” واستخدام الأقليات؟ إلى أي مدى كان هناك وعي بورقة “المفاجأة” المتمثلة في هرمز؟ هل تم تقييم عزيمة حزب الله وصموده مسبقًا؟ وبالطبع، فكرة أن ترامب سيكون حليفنا في كل سيناريو.

تعيش إسرائيل تقلبات حادة في التوقعات: من نشوة خطوة نحو الإطاحة بالنظام في طهران، وتحالف تاريخي مع واشنطن، ونصب كمين لحزب الله، وتشكيل شرق أوسط جديد، إلى هاوية تُمكّن إيران من التوصل إلى اتفاق مُرضٍ، وتطور أزمة خطيرة مع الولايات المتحدة، وعزلة إقليمية وعالمية.

في قلب الأحداث تكمن الحرب في لبنان، حيث يتطالب إسرائيل بتقليص أو إنهاء حرب من الواضح استحالة كسبها، لكن استمرارها يُلحق خسائر فادحة في الأرواح، ويُسبب أضرارًا خارجية جسيمة، ويُصبح عقبة رئيسية. في ظل هذا الوضع، لا بد من اختيار أسوأ الخيارين: الأول – مواصلة القتال في لبنان، وربما تصعيده، ما قد يتحول إلى مواجهة مؤلمة مع ترامب، والثاني – اللجوء بأسرع وقت ممكن إلى اتفاق برعاية أمريكية مع الحكومة اللبنانية، مع التركيز على السعي لدخول واسع النطاق للجيش اللبناني إلى المنطقة جنوب الليطاني، وانسحاب قوات حزب الله من المنطقة.

إن النهج الحالي الذي تتبعه إسرائيل على جميع الجبهات، وخاصة في لبنان، يُرجّح أن يُرسّخ صورتها كدولة مارقة تُهدد السلام العالمي، فقدت توازنها الاستراتيجي، وتستند في تحركاتها إلى قيم دينية، وهو ما برز جليًا بعد إعلان بن غفير رغبته في إحراق لبنان. من جهة أخرى، تجني إيران مكاسب في صورتها وتعزز مكانتها كشريك مسؤول مهتم بالتوافق، وتُظهر في الوقت نفسه نفوذاً إقليمياً متواصلاً، لا سيما في لبنان، بينما تُحقق توحيد الساحات الذي تُكافح إسرائيل ضده، كما تجلى ذلك في إعلانها الليلة الماضية إعادة إغلاق مضيق هرمز رداً على أعمال إسرائيل في لبنان.

منذ 7 أكتوبر، انتقلت إسرائيل بشكلٍ لافت من حالة صدمة شديدة إلى هجوم مضاد ألحقت فيه ضرراً بالغاً بأعدائها، وأظهرت قوتها، واستعادت قدرتها على الردع، وأظهرت قوتها. والآن تُفاجئ إسرائيل مجدداً، ولكن هذه المرة بشكل سلبي، بنجاحها في إلحاق هزيمة استراتيجية خطيرة بنفسها. من هنا، يُمكنها التعافي، أو، على النقيض، أن تُفاجئ مجدداً وتُفاقم الوضع، على سبيل المثال، إذا اتُخذت خطوات غير مدروسة، مثل الهجوم على الضاحية أو الهجوم على قطر قبل عام، الأمر الذي قد يُؤدي إلى صدام خطير مع ترامب.

------------------------------------------

 

 

 

هآرتس 21/6/2026

طهران لن تقدم تنازلات لإسرائيل أو للولايات المتحدة

بقلم: ليزا روزوفسكي

 اعرب نائب الرئيس الأمريكي عن التفاؤل حول المحادثات مع ايران بعد ظهر يوم امس السبت. وفي مقابلة مع “فوكس نيوز” قال جي دي فانس ان الأمور تسير على ما يرام، وانه قد يسافر قريبا الى سويسرا لعقد لقاء مع الإيرانيين، الذي كان مخطط له في الأصل في يوم الثلاثاء الماضي وتم تاجيله في اللحظة الأخيرة. في نفس الوقت نشر الإيرانيون رسائل متضاربة. فمن جهة، أعلنت القيادة العليا للقوات المسلحة الإيرانية عن اغلاق مضيق هرمز ردا على ما وصفته ايران بخرق إسرائيل لوقف اطلاق النار في جنوب لبنان. ومن جهة أخرى، اعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، ان الوفد الإيراني الذي عرقل المحادثات في يوم الثلاثاء يسافر الان الى سويسرا “للمطالبة بتنفيذ الالتزامات الامريكية”. وحتى كتابة هذه السطور لم يتضح بعد اذا كانت المحادثات ستعقد بالفعل، وما اذا كانت الولايات المتحدة ستضبط نفسها تجاه عملية اغلاق المضيق أو انه يتوقع حدوث تصعيد آخر.

 الواضح هو ان ايران لا تنوي تقديم أي تنازلات لإسرائيل، وانها تنوي الضغط على الولايات المتحدة الى اقصى حد لتعزيز نفوذها في الساحة اللبنانية. وقد جاء ذكر لبنان ثلاث مرات في الفقرة الأولى في مذكرة التفاهم التي وقع عليها الرئيس الأمريكي مع ايران، كما نشر في وسائل اعلام كثيرة. وتطالب المذكرة بـ “وقف فوري” للقتال في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان. يشترط هذا البند على الأطراف (ايران والولايات المتحدة وحلفاءهم) ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته، وينص على ان الاتفاق النهائي سيؤكد على وقف اطلاق النار في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان، إضافة الى التعليمات الأخرى في البند.

 قد يشمل التفسير المتشدد لهذا البند مطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل من لبنان، ولكن كما تبين حتى الان من تصريحات مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى فان هذا ليس تفسير البيت الأبيض. وقد يشمل تفسير معتدل اكثر انسحاب جزئي وخارطة طريق لانسحاب كامل في المستقبل، في حين يتطلب التفسير الأدنى وقف اطلاق النار من الطرفين، حزب الله (حليف ايران) وإسرائيل (حليفة أمريكا). لا شيء من هذا يحدث على ارض الواقع، ولم يغير الإعلان غير الرسمي عن تجديد وقف اطلاق النار بعد ظهر يوم الثلاثاء الصورة.

 حسب مصدر في اليونفيل فقد بلغ عدد عمليات الاطلاق التي تم رصدها امس الذروة في المنطقة منذ شهرين، حيث تجاوز الالف. وحسب نفس المصدر فانه من الساعة الرابعة بعد الظهر، وقت دخول وقف اطلاق النار الى حيز التنفيذ وحتى منتصف الليل لم تسجل أي عملية لاطلاق النار من قبل حزب الله، في حين سجلت 83 عملية اطلاق للجيش الإسرائيلي، ولا يشمل هذا العدد الغارات الجوية أو اطلاق المسيرات. من منتصف الليل وحتى الساعة السادسة والنصف صباح امس، حسب مصدر اليونفيل، سجلت 20 عملية اطلاق لحزب الله و420 عملية اطلاق للجيش الإسرائيلي. وبسبب نقص المعلومات الكاملة لم يتمكن المصدر من تحديد الطرف الذي خرق وقف اطلاق النار أولا.

 تعمل قوة اليونفيل بين الخط الأزرق جنوبا ونهر الليطاني شمالا. وتدور بعض المعارك حاليا شمال الليطاني. لذلك، لا تملك هذه المنظمة معلومات كاملة عما يحدث. وتختلف المعلومات التي نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، حيث افاد الجيش بان حزب الله اطلق اكثر من 50 صاروخ على القوات الإسرائيلية مساء الجمعة، ورد الجيش الإسرائيلي يمهاجمة عشرات المواقع للإرهابيين.

 أظهرت الأيام القليلة الماضية ان استمرار تواجد قوات الجيش الاسرائيلي في أجزاء واسعة في جنوب لبنان لا يسمح بالفعل بوقف القتال هناك. وسواء كان ذلك بسبب استفزازات حزب الله (التي تعتبر ايران هي المسؤولة عنها بدرجة لا تقل عن مسؤولية الولايات المتحدة، حسب ادعاء اليونفيل، عن عمليات القصف الاسرائيلية)، أو بسبب خرق إسرائيل المتعمد، فان القتال سيستمر طالما بقي جنود الجيش الإسرائيلي في لبنان.

 يعكس بيان أصدره السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، مساء يوم الثلاثاء، هذا الامر بوضوح. فمن جهة، لأول مرة منذ بدء المفاوضات مع لبنان، اعلن ليتر علنا بان إسرائيل مستعدة لاتفاق “الصمت مقابل الصمت” مع حزب الله، لكنه في نفس الوقت قال ان إسرائيل موجودة في جنوب لبنان من اجل “تطهير المنطقة من حزب الله وتفكيك بنيته التحتية الإرهابية”. ومثلما نعرف فان وسائل الاعلام و”اكس” هي التي تعاني من كل ذلك، والواقع لن يتحمل هذا التناقض: اما “التطهير”، أي القتال، أو “الصمت مقابل الصمت”.

 لقد أظهرت ايران العزم على استغلال كل ثغرة في مذكرة التنفاهم لصالحها، وعدم التنازل عن أي شيء. فبعد اعلان القيادة المركزية الامريكية عن رفع الحصار عن ايران وفقا لمذكرة التفاهم، قال الإيرانيون بانهم يطبقون نظام لتسجيل السفن التي ترغب في عبور المضيق، وهو الامر الذي يتعارض مع المذكرة، لكنه يؤكد على سيطرة ايران على المضيق. الآن اغلق المضيق تماما، كما يبدو بارادتهم.

 ينطبق الامر نفسه على لبنان: ستستخدم ايران، بشكل من الاشكال، ما حققته بالفعل في مذكرة التفاهم من اجل الضغط على إسرائيل. ورغم نجاح الوسطاء القريين ظاهريا في اقناع ايران بارسال وفد الى محادثات سويسرا، فقد أوضح الحرس الثوري في نفس الوقت بان هذا الإنجاز الدبلوماسي سيأتي بتكلفة اقتصادية. فالنفط الذي طال انتظاره لم يعد يتدفق بحرية. وهذا التحرك يضمن ان تتركز المحادثات في منتجع بورغنوستك القطري الجميل في سويسرا بدلا من مناقشة تفاصيل اتفاق نووي محتمل، على لبنان ومضيق هرمز.

 ستعقد الجولة الخامسة من المحادثات بين إسرائيل ولبنان في واشنطن بين الثلاثاء والخميس من هذا الأسبوع، على مستوى السفراء ومستويات عسكرية. بالنسبة للامريكيين ستكون هذه فرصة لحمل إسرائيل على الموافقة على تنازلات كبيرة، مع الحفاظ على المظهر الرسمي لـ “الفصل بين الساحات” – في نهاية المطاف، هذه محادثات بين حكومات، وحزب الله وايران غير مشاركين فيها ظاهريا. عمليا، اصبح واضح للجميع بان الشرق الأوسط اصبح ساحة واحدة، تدار حاليا على الأقل من قبل ايران. يتوقع ان يواجه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع معضلة ماساوية: اما التصميم على بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، معرضا بذلك جنوده لخطر دائم ومعرضا ما بقي من علاقته مع ترامب لخطر حقيقي، أو الموافقة على الانسحاب الذي يعتبر بمثابة اعتراف بالهزيمة امام ايران – ليس فقط في الحرب الحالية، بل في المعركة التي أصبحت محور حياته. من المرجح ان نتنياهو بدلا من الاختيار بين هذين الخيارين سيحاول التوصل الى حل وسط يسمح له بالتمسك بالتكتيك المفضل عليه: المماطلة وكسب الوقت. والسؤال هو هل سينجح في هذه المرة أيضا.

------------------------------------------

معاريف 21/6/2026

المشكلة الأكبر لإسرائيل حاليا هي انعدام السياسة التي يتخذها نتنياهو

بقلم: افي اشكنازي

في الآونة الأخيرة يركز الجيش الإسرائيلي عملياته في منطقتين مركزيتين في جنوب لبنان، أولا، في جبال علي الطاهر، حيث تقع ضمن أمور أخرى قلعة البوفور. غير انه على الجبال نفسها أو الادق في باطن الأرض في الجبال اقام حزب الله منظوماته الهجومية الاستراتيجة. عشرات الانفاق المعدة في يوم الأمر لان تكون انفاق انطلاق الى أراضي إسرائيل. هذه انفاق مع غرف قيادة، لوجستيات، مستشفات، منظومات نار ومخازن سلاح هائلة.

لب لباب المركز التحت أرضي يقع تحت قرية تبنيت، على مسافة ثلاثة كيلومترات عن النبطية. يعمل الجيش الإسرائيلي هذه الأيام في تبنيت لكن ليس فيها فقط. فهو يكشف ويطهر ساحات المدينة التحت أرضية، يكشف الساحة من فوق ويحاول العثور على منصات ومنظومات حزب الله. المجال الثاني هو مجدل زون في الجبهة الغربية. هناك أيضا بنى حزب الله منظومة تحت أرضية مع سلاح استراتيجي يفترض أن يهدد كل نقطة في إسرائيل.

القتال في هذه الساحات حيوي. إذ ان القوات على الأرض وحدهم يمكنهم ان ينزعوا من حزب الله هذه المقدرات التي هي نوع من بوليصة التأمين من ناحيته. هذا هو السبب الذي يجعل حزب الله يعمل بقوة كي يوقف حركة قوات الجيش الإسرائيلي في هذه المناطق.

بالتوازي اخذت ايران مسؤولية عن لبنان وهي تعمل للضغط على الأمريكيين بكل سبيل. بدء بالتهديد باطلاق نار مباشرة الى إسرائيل، عبر عدم الوصول الى المحادثات في سويسرا وحتى التهديد بإعادة اغلاق مضيق هرمز.

حظ ايران السعيد هو ان الرجل القوي حاليا في البيت الأبيض هو نائب الرئيس جيدي فانس المعارض الأكبر للحرب في ايران وللعمل العسكري في الشرق الأوسط.

والمشكلة الأكبر لإسرائيل حاليا هي انعدام السياسة التي يتخذها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. بعد الكارثة التي قتل فيها أربعة مقاتلين من الجيش الإسرائيلي سارع وزراء اليمين المتطرف للتغريد وللاعلان بان إسرائيل ملزمة بالعمل بشكل متطرف في لبنان. الوزير ايتمار بن غفير كتب في الشبكات الاجتماعية انه “على كل دمعة لام إسرائيلية، يجب ان تبكي الف ام لبنانية. لبنان كله يجب أن يشتعل… مع كل الاحترام للامريكيين، إسرائيل ملزمة بان توضح للعالم كله بان دم أبنائنا وأمن مواطنينا ليسا مباحين. واجبنا الأعلى هو الدفاع عن مواطني إسرائيل وعن جنود الجيش الإسرائيلي وواجبنا هذا يسبق كل اعتبار آخر”. وكان هذا كافيا لاثارة عاصفة واسعة في دوائر الإدارة والاعلام في الولايات المتحدة.

إسرائيل تخطيء في كل الخطوة السياسية. فهي لا تعرض خططها بالنسبة للبنان، مثلما هو الحال أيضا في الساحات المفتوحة الأخرى. إسرائيل تتحدث عن استيلاء على الأرض وحراسة متقدمة. لكن مع كل الاحترام، هذا لن يمنح الامن للشمال. التواجد في الأرض اللبنانية، حين يكون الجيش الإسرائيلي مقيدا في قدرته على العمل في كل لبنان تجاه تهديد حزب الله، يجعل مقاتلي الجيش الإسرائيلي بطاط في ميدان التدريب على اطلاق النار.

على إسرائيل ان تركز على المطلب بان تعمل بشكل حر ضد كل تهديد في لبنان: في جنوب الدولة، في البقاع اللبناني وفي بيروت أيضا. كما ان إسرائيل تخطيء عندما لا تحترم تحالف الدول التي توجد لها مصالح مشتركة ضد الاتفاق المتبلور بين الولايات المتحدة وايران وعلى رأسها حكومة لبنان، سوريا، دول الخليج العربي، مصر والأردن وكذا فرنسا.

غير أن حكومة إسرائيل تدير وتدار من اليمين المتطرف. فبسبب سلامة الائتلاف وكتلة اليمين، يمتنع نتنياهو عن خوض مفاوضات سلام في المستوى الأعلى مع لبنان. هو لا يستطلع حقا كيف يمكن التقدم قي القناة السورية ولا يعمل على توسيع اتفاقات إبراهيم مع دول أخرى في الخليج العربي. لقد أصبحت إسرائيل ببغاء لا – لا. وفي واقع الامر لا تقدم افقا سياسيا للمنطقة. سياسة أجزاء في الحكومة تملي النبرة هي حاليا فقط هيا، الى الفوضى. اضطراب في كل مكان: في جهاز القضاء، في الطرق، في الشرطة، في جهاز التعليم، في الاقتصاد وغيره. كما ان هذه حكومة تشجع وتؤيد المس برجال الشاباك، حين تمنح الحصانة للنائبة تالي غوتليف من الليكود وبالتوازي تشجع الحريديم على الفرار من الجيش الإسرائيلي ومسؤول كبير جدا في الائتلاف (آريه درعي) يتباهى حتى ان احفاده فارون. ان هدف الحكومة الان هو خلق فوضى هنا – فوضى داخلية وخارجية. المشكلة هي ان العالم من حولنا اكثر مسؤولية، والرئيس الأمريكي يفهم بان عليه أن يختار بين خيارين: وهو يفضل على ما يبدو الطرف ذو المال. على أي حال – هذا ليس إسرائيل. في هذه اللحظة فان قرار رئيس الوزراء توقف النار في لبنان في ضوء املاء ايران، رغم الهجمات الاجرامية لحزب الله على جنود الجيش الإسرائيلي، يدل كم هو وضع إسرائيل على الأرضية وكم أصبحت الحكومة الإسرائيلية غير ذات صلة في نظر الكثيرين في الساحة الدبلوماسية في العالم.

------------------------------------------

اسرائيل اليوم 21/6/2026

ماذا بعد الفشل في ايران والهزيمة في لبنان؟

بقلم: ايال زيسر

إن بسالة وبطولة مقاتلي الجيش الإسرائيلي وطياريه وكذا الاستخبارات الدقيقة عن الأهداف (لتمييزها عن الاستخبارات الاستراتيجية، عن العدو والتي فشلت هذه المرة أيضا) حققت إنجازات عسكرية رائعة سيصار الى الحديث كثيرا عنها. لكن كل هذه لم تنتهي الى النصر وهكذا بقينا مع إحساس بتفويت الفرصة بل وحتى بالفشل.

لا ينبغي الخوف من الاعتراف باننا فشلنا. فالاعتراف بالفشل هو الخطوة الأولى على طريق الإصلاح. الحقيقة هي ان كلمة فشل هي كلمة صعبة وهناك من يخافون من استخدامها كي لا يمسوا لا سمح الله بالمعنويات العامة وكأنه ليس لمواطني إسرائيل عيون في رؤوسهم وهم لا يمكنهم أن يفهموا بأنفسهم ماذا حصل مع ايران وفي لبنان. لكن اذا لم ننظر الى الواقع مباشرة، فاننا لن ننجح في أن نعود الى المسار وننتصر في المستقبل. وعليه، ينبغي فقط الأسف على ان اخفاق 7 أكتوبر لم يحقق فيه بعد وحقيقة ما حصل لنا في ذاك اليوم وقبله ليست من نصيب الجمهور.

بالنسبة للكثيرين عندنا وفي العالم، وبخاصة بالنسبة للرئيس ترامب، فان الحقيقة هي خيار وليست بالضرورة الخيار الذي يأخذون به. لكن حتى لو أخذنا بحقيقة” أولئك الذين يتفاخرون في أننا حققنا نصرا تاريخيا فاننا لا يمكننا أن نتجاهل حقيقة أنه في نظر العالم كله، وما هو اهم – في نظر محيطنا، إسرائيل هي الخاسرة الأكبر من اتفاق استسلام ترامب للايرانيين. وعندما يعتقد العدو باننا خسرنا فانه يشم ضعفا، ومن ناحيتنا هذا خطر.

النظام الإيراني، نظام متطرف والان أيضا نظام يشعر بسكرة القوة ورغبة في الانتقام، نجا وهو يخرج في نظره اقوى من المواجهة التي فرضت عليه. فقد حافظ على قسم هام من قدراته العسكرية، الخيار النووي لا يزال يوجد في يديه كورقة مساومة، وهو أيضا يؤمن بانه أزال مرة واحدة والى الابد تهديد هجوم امريكي ضده، هجوم خاف منه وبسببه احتسب بحذر خطواته. فبعد مهزلة ترامب لن يتجرأ أي رئيس امريكي على تصور هجوم في ايران.

اما في لبنان، حيث تمتعنا ظاهرا على مدى اشهر طويلة بحرية عمل لان نفعل كل ما يروق لنا، نحن نعود الى واقع عشية 7 أكتوبر، حزب الله تضرر لكنه بقي واقفا على قدميه والان سيعمل، بفضل الهدوء الذي منحناه إياه، على ترميم قوته، إعادة ملء ترسانة صواريخه، وحين تجبرنا ايران على الانسحاب من الحزام الأمني في جنوب لبنان – سنجد أنفسنا امام مخربي حزب الله على الجدران.

من المهم أن نفهم ما الذي تشوش، لكن مهم أيضا ان ننظر الى الامام ونستخلص الدروس الواجبة.

أولا، الولايات المتحدة هي حليف قريب، ناهيك عن ان تصريح ترامب انه بفضله فقط نحن موجودون يدل كم هو منقطع عن الواقع وكم هو تفكره مشوش. لكن الاستنتاج من احداث الأشهر الأخيرة هو انه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة، إذ ان الأمريكيين يساعدون فقط من يساعد نفسه ولديهم سجل مبهر من القاء حلفائهم تحت دواليب الباص فيما هم يشعرون بان “العبد قام بواجبه او حين يريدون ان يقلصوا الخسائر. وهكذا يفعل ترامب لنتنياهو ما فعله كارتر للشاه واوباما لمبارك.

ثانيا، ينبغي أن نكون واعين لقيود القوة ولما يمكن ان نفعله. في لبنان كان يمكننا أن نصل الى إنجازات لكننا فوتنا الفرصة. اما في ايران فان الأهداف التي وضعتها إسرائيل لنفسها وفي اعقاب ذلك خطواتها العسكرية كانت منذ البداية غير واقعية ولا غرو انها لم تتحقق. وفي هذه الفجوة، بين هدف غير واقعي وبين حقيقة أنه ما كان يمكن تحقيقه، يكمن إحساس الفشل.

وفي النهاية، لكل خطوة عسكرية يجب ان تكون نقطة خروج ترجمتها الى انجاز سياسي بالضبط مثلما فعل دافيد بن غوريون، عظيم رؤساء الوزراء الذين كانوا لنا، الذي أصاب في ترجمة إنجازات حرب الاستقلال وحملة السويس الى انتصارات سياسية.

إسرائيل هي دولة قوية. مواطنوها صمدوا في اختبارات قاسية ويوجد لها جيش متفوق. ينبغي الامل في أن نتمكن كمجتمع وكدولة من التغلب والاستمرار الى الامام بل والفوز في اختبارات المستقبل التي لا تزال بانتظارنا.

------------------------------------------

هآرتس 21/6/2026

فتح جبهة سابعة على ترامب.. لنتنياهو: الجم كلابك

بقلم: أسرة التحرير

أعلن نتنياهو عن جبهة تاسعة في حروبه المتصاعدة بلا انقطاع: ترامب. هذه الهجمة تضعضع المبادئ الأساس للأمن القومي لإسرائيل ومكانتها في العالم.

منذ قرر ترامب وضع حد للحرب ضد إيران، التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل، ونتنياهو يخوض حملة منسقة لتقويض الاتفاق الذي سيؤدي إلى إنهاء النزاع. وللتشكيك بالصفقة المتبلورة التي تربط بين وقف النار ضد إيران ووقف النار بين إسرائيل وحزب الله، أمر الجيش الإسرائيلي بتشديد هجماته، بقصف بيروت وجنوب لبنان والتسبب بعشرات المصابين. جنود الجيش الإسرائيلي دفعوا ثمناً باهظاً، بما في ذلك أربعة قتلى، الجمعة.

إن الحملة ضد ترامب من جانب الموالين لنتنياهو في الإعلام الإسرائيلي، التي يكررها شركاؤه من اليمين المتطرف في الائتلاف وكُتّاب رأي يمينيون في الولايات المتحدة يؤيدون رئيس الوزراء، ربما تظهر خطوة هي الأكثر تهوراً حتى الآن. أبواقه في القناة 14، الذين لم يكتفوا بوصف نائب الرئيس جيدي فانس “خلقة” ووصف مبعوث ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير “أشباه يهود” يوجهون السم للرئيس نفسه ويسمونه “خاسراً”، و”تشمبرلين الحديث” و”دونالد حسين ترامب”.

وغني عن البيان أن ليس للرئيس ترامب، الذي لعله الرئيس غير المتوقع الأكبر الذي شهدته أمريكا، حصانة من النقد. فما بالك أن الكثير مما يمكن انتقاده في مذكرة التفاهم مع إيران التي هُمّشت إسرائيل أثناء صياغتها، وبقيت غامضة بشكل مخيف. لكن هذا الطوفان لا يستهدف تحريك البيت الأبيض إلى صفقة أفضل، هذه هجمة “كلاب الهجوم” الإعلامية لصاحبها نتنياهو، هدفها تحويل فشل كارثي إلى رأس مال انتخابي. غير أن الكثير جداً مطروح هنا على كفة الميزان.

هذا سر مكشوف في أن العلاقات بين نتنياهو وترامب غصت في هوة، لأن الحرب في إيران لم تحقق أهدافها المبالغ فيها التي وعد بها رئيس الوزراء. ترامب أطلق وابلاً من الشتائم على نتنياهو، فيما هو يشكك بتفكره وسواء عقله. كان نائبه أكثر إيجازاً بالنسبة لانعدام التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل. غير أن إسرائيل، بعد سنوات ألقى فيها نتنياهو بالحزب الديمقراطي ويهود الشتات وأوروبا إلى القمامة، لن تسمح لنفسها بالرد على الشتائم بالشتائم. لا بدائل لها.

هذه لحظة مصيرية للعلاقات مع الولايات المتحدة، ولشرعية إسرائيل في العالم ولأمنها الذي يفترض تفكراً وحذراً وقبل كل شيء تفضيلاً لمستقبل إسرائيل الاستراتيجي على اعتبارات انتخابية تهكمية. السؤال المصيري هو: ألا يزال نتنياهو يتحكم بكلابه الهجومية، وهل هو معني بالأساس بوقف التدهور إلى الهوة؟

------------------------------------------

 

 

 

 

يديعوت 21/6/2026

الواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط: إسرائيل تلقّت "ضربة قاسية"

بقلم: آفي يسسخروف

تبدو التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال قمة مجموعة السبع (G7)، زلزالاً، وتُشعِر بأنها زلزال، وربما تقود إلى تغييرات دراماتيكية وتكتونية في الشرق الأوسط، لكن المشكلة أن هذه التصريحات، هذه المرة، ترسم خارطة جديدة بالغة الإشكالية بالنسبة إلى إسرائيل. وحتى التصريح الذي سبقها، والذي قال فيه ترامب: إن الاتفاق مع إيران ليس سوى "مذكرة تفاهُم"، و"إذا لم يُحسن الإيرانيون التصرف فسنعود فوراً لإلقاء القنابل مباشرةً على رؤوسهم"، لم يعُد يخفف من وقع الصدمة حقاً. وبأبسط تعبير عامّي: "إسرائيل تلقّت ضربة قاسية".

عندما يتحدث ترامب عن حق إيران في امتلاك صواريخ باليستية؛ لأن دولاً أُخرى تمتلكها أيضاً، وعن أن سورية، بقيادة أحمد الشرع، قادرة على التعامل مع "حزب الله"، فإن ذلك يشكل ضربة قوية لإسرائيل. وليس فقط لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، الذي فشل في أداء مهماته، للمرة التي لا تُعَد، ولم ينجح في تحويل الإنجازات العسكرية الكبيرة التي حققها الجيش الإسرائيلي و"الموساد" والاستخبارات العسكرية إلى إنجاز سياسي ذي شأن في مواجهة إيران. إنها ضربة لكلّ رئيس حكومة سيأتي بعد انتخابات تشرين الأول المقبل، ولكلّ مواطن إسرائيلي يعيش في الدولة. فجميع عمليات الاغتيال اللامعة لعلماء البرنامج النووي، وقادة الصف الأول في إيران، والقصف الذي استهدف منشآت الصواريخ، والضرر الذي لحِق بالمشروع النووي الإيراني، وغير ذلك، بقيت كلها إنجازات تكتيكية فقط، ولم تؤدِّ إلى خطوات سياسية تُلحق ضرراً حقيقياً بقدرة إيران على العمل ضد إسرائيل، أو توقف مشروعها النووي، ولا حتى إلى تغيير النظام في إيران. ولا يُقصد هنا الشماتة بمؤيدي نتنياهو، لأن الواقع أصعب كثيراً من ذلك؛ فترامب يرسم أمام أعيننا المندهشة شرق أوسط جديداً، تكون فيه إيران قوة إقليمية بكل معنى الكلمة، وإلى جانبها، وبأهميةٍ لا تقلّ عنها، الدولة "المعقدة" قطر.

إن المحادثات بين طهران وواشنطن، بوساطة قطرية، تؤكد المسار المُقلق الذي يجري تحت أنوفنا، وهو لا يقلّ خطورةً عن تعاظم قوة إيران: القدس خارج اللعبة، والدوحة داخلها. وليس لدى القدس وحدها أسباب للقلق؛ فدول الخليج أيضاً، التي أصبحت هدفاً للصواريخ الإيرانية خلال الحرب الأخيرة، تدرك الآن مَن هي الجهة التي ستُملي على واشنطن خطواتها في الشرق الأوسط.

والأمر لا يقتصر فقط على احتمال تدفُّق مئات مليارات الدولارات إلى نظام آيات الله وحلفائه في المحور الشيعي، بل إن قطر أصبحت لاعباً محورياً وحاسماً، في نظر البيت الأبيض وفريق ترامب.

هل يرتبط ذلك بالمصالح الاقتصادية فقط؟ ربما، لكن في نهاية المطاف، فإن الدولة التي استضافت قيادة "حماس" عشية السابع من تشرين الأول، وشغّلت قناة "الجزيرة"، هي نفسها التي توجّه اليوم الإستراتيجيا الأميركية في المنطقة. وربما تكون لهذا التطور تداعيات سيئة وخطِرة على الواقع في كلٍّ من لبنان وغزة واليمن وأماكن أُخرى. وفي ظل الاتفاق الأميركي الإيراني برعاية قطر، هناك شك في أن تتمكن الحكومة اللبنانية المناهضة لـ"حزب الله" من مواصلة العمل ضد هيمنة التنظيم الشيعي، بل بالعكس، فمن المرجّح أن تتدفق الأموال الإيرانية بوتيرة أكبر. وفي ظل وقف إطلاق نارٍ يمكن أن يكبّل يد إسرائيل، يمكن الافتراض أن إعادة بناء "حزب الله" لن تستغرق وقتاً طويلاً. وسيحظى الحوثيون في اليمن بمرحلة جديدة من الانتعاش، وكذلك هي الحال في غزة؛ فمن الصعب التصور أن الإدارة الأميركية، التي تصغي إلى قطر بهذا القدر، ستمنح إسرائيل الضوء الأخضر للتحرك بحُرية ضد إعادة بناء البنية التحتية العسكرية لـ"حماس" في القطاع.

إن إسرائيل عالقة في واقع جيوسياسي معقّد في الشرق الأوسط، ويجب الاعتراف بذلك؛ فحتى لو عاد نتنياهو إلى منزله صباح الغد، هناك شك في أن يتغير هذا الواقع. ويصبح الوضع أكثر صعوبةً عندما يتعلق بالساحة السياسية الدولية والرأي العام في الولايات المتحدة. فمكانة إسرائيل بين مؤيّدي الحزب الديمقراطي تتراجع، وكذلك بين مؤيّدي الحزب الجمهوري. ولو نشأ حزب ثالث كبير في الولايات المتحدة، فمن المرجّح أن يكون وضع إسرائيل فيه مشابهاً أيضاً، أمّا في أوروبا، فالوضع أسوأ كثيراً، وسنُجبَر جميعاً، وليس فقط مؤيّدو نتنياهو، على دفع ثمن هذا الإرث في اليوم التالي للانتخابات.

إن رهان نتنياهو على خوض حرب ضد إيران، من دون التفكير في خطة خروج، ومن دون تحديد هدف واضح وواقعي، ينفجر الآن في وجوهنا جميعاً. لقد سخر البعض في بداية الحرب مع إيران من أولئك الذين كتبوا وقالوا: إن الحرب تحتاج إلى "خطة خروج"، بل إن أحدهم وصفهم بأنهم "مسمّمو الآبار". لكن المشكلة أن غرور صنّاع القرار بإسرائيل في بداية الحرب، إلى جانب عمى كثيرين منا الذين رفضوا طرح الأسئلة الصعبة، وأصرّوا على وضع مادة مخدرة في مياه شربنا، هو ما أوصلنا إلى واقع إقليمي جديد ستكون له آثار سلبية في مستقبلنا جميعاً.

----------------انتهت النشرة-----------------

disqus comments here