المانيفستو الشاب: لماذا نكتب الآن؟ وعن أي فلسطين نتحدث؟
Sun 01 February 2026
لا يولد الفكر من الفراغ، بل يُنتزع انتزاعاً من رحم المعاناة. ومن قلب "حرب الإبادة" التي تشن على وجودنا الفلسطيني، ومن وسط خيام النازحين وحطام الجامعات في غزة، نطلق سلسلة "المانيفستو الشاب: فلسطين من منظور ديمقراطي جديد". إنها ليست مجرد محاولة للكتابة، بل هي محاولة لاستعادة "السيادة الوطنية على الفكر" بعد أن أثبت جيلنا سيادته على "الميدان".
لماذا "المانيفستو الشاب"؟
إن اختيارنا لمصطلح "المانيفستو" ليس ترفاً لغوياً، بل هو إعلان عن حالة "قطيعة ووصل".
قطيعة: مع نهج التهميش، ولغة الخشب، والبيروقراطية التي حولت مؤسساتنا الوطنية إلى هياكل بلا روح، والسياسات التي اعتبرت الشباب "خزاناً انتخابياً" أو "وقوداً للمواجهة" دون أن يكونوا شركاء في رسم الخارطة.
وصل: مع الجذور التقدمية واليسارية لثورتنا الفلسطينية، لكن بروح القرن الحادي والعشرين؛ روحٍ تؤمن بالتكنولوجيا، والحريات الفردية، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية الرقمية.
جوهر الفكرة: الفعل الذي يسبق النص
لقد عودتنا النخب السياسية أن "النص" (القرار) يأتي من الأعلى لينفذه "الشباب" في الأسفل. في هذه السلسلة، نقلب المعادلة. إن "المانيفستو الشاب" يستمد شرعيته من "فائض الفعل" الذي اجترحه شباب غزة؛ من المسعف المتطوع، والصحفي الشاب الذي يواجه الدبابة بكاميرته، والمثقف الذي يقرأ الكتب فوق الركام.
نحن هنا لنقول: إن هذا الجيل الذي أدار "حياة الإبادة" بالتعاون والتكافل والابتكار، هو الأجدر بإدارة "حياة الدولة" والمستقبل.
الجبهة الديمقراطية: مدرسة الشراكة لا الوصاية
إن إيماني بـ "المانيفستو الشاب" ليس مجرد تنظير أكاديمي، بل هو حصيلة تجربة واقعية داخل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي قدمت نموذجاً استثنائياً في كسر الهياكل التقليدية وإشراك الشباب في صنع القرار. لقد كنتُ -كغيري من الرفاق- ثمرة لهذا النهج، حيث فُتحت لنا أبواب الهيئات المركزية في سن مبكرة، ولم يكن ترشحي على قوائم الجبهة للانتخابات البلدية والتشريعية (قبل إلغائهما) مجرد إجراء شكلي، بل كان تعبيراً عن ثقة راسخة بأن الشباب هم "عصب التغيير" وليسوا مجرد ديكور سياسي.
هذه التجربة انعكست بشكل عضوي على اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد»، الذي تحول من مجرد إطار قطاعي إلى "رافعة وعقل متجدد" داخل السياق التنظيمي للجبهة. لقد نجحنا في بناء علاقة جدلية بين الشباب والقيادة، قوامها "الترابط الفكري" لا التبعية الجامدة؛ حيث رفدنا المركز برؤى عصرية، وفي المقابل احتضنت القيادة طاقاتنا لتطوير أدوات العصر، من الرقمنة إلى استراتيجيات التواصل الحديثة. إننا في «أشد» لم نعد ننتظر التعليمات، بل أصبحنا نساهم في صياغتها، لنثبت أن تواصل الأجيال داخل المدرسة الديمقراطية هو الضمانة الوحيدة لبقاء الفكر الثوري حياً، مرناً، وقادراً على محاكاة لغة المستقبل.
أهمية السلسلة: جسر نحو فلسطين الجديدة
تكمن أهمية هذا الطرح في ثلاثة أبعاد رئيسية:
البُعد الفكري: إعادة صياغة الهوية اليسارية الفلسطينية لتكون هوية "ميدانية" منحازة للطبقات الكادحة، ومتحررة من صراعات الأجنحة والولاءات الضيقة.
البُعد السياسي: الضغط باتجاه تحويل "المبادرات الشبابية" إلى "استراتيجيات وطنية"، والمطالبة بإصلاح جذري في منظمة التحرير والسلطة الوطنية لضمان تمثيل حقيقي يتناسب مع حجم التضحيات.
البُعد الاستشرافي: صياغة رؤية لغزة "ما بعد الحرب" لا تقوم على "الإغاثة" فحسب، بل على "التنمية المقاومة" التي تقودها السواعد والعقول الشابة.
نحو منظور ديمقراطي جديد
إن الديمقراطية التي ننشدها في المانيفستو ليست مجرد "صندوق اقتراع" يُفتح كل عقد من الزمن، بل هي "ديمقراطية الشراكة" في الأرض، في الثروة، وفي القرار الوطني. هي فلسطين التي لا يخشى فيها الشاب من التعبير عن رأيه، ولا يموت فيها الخريج على أرصفة البطالة، ولا تضيع فيها تضحيات المقاتل في دهاليز التسويات المشبوهة.
إننا نفتح من خلال هذه السلسلة باب النقاش واسعاً؛ لكل رفيق، وزميل، وشاب فلسطيني يرى في نفسه "مشروع تحرر". إنها دعوة لننتقل معاً من مرتبة "الشهود على التاريخ" إلى مرتبة "صنّاعه".
هي البداية.. فليكن صوتنا بمستوى فعلنا.