الفلسطينيون يتوجهون لصناديق الاقتراع: انتخابات محلية بالضفة ودير البلح تكسر غياباً دام 22 عاماً

بدأ الناخبون الفلسطينيون، صباح اليوم السبت، التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في الهيئات المحلية، في عملية انتخابية تشمل 183 هيئة موزعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وتكتسب هذه الدورة الانتخابية أهمية استثنائية مع شمولها مدينة دير البلح في القطاع، لتكون المرة الأولى التي يمارس فيها سكان المدينة حقهم الانتخابي المحلي منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن.

ودعت لجنة الانتخابات المركزية نحو مليون و40 ألف ناخب وناخبة للمشاركة في هذا الاستحقاق، وهو ما يعادل 67% من إجمالي المسجلين في سجل الناخبين العام. وقد تم اختيار مدينة دير البلح لتكون الممثل الوحيد لقطاع غزة في هذه المرحلة نظراً لكونها المنطقة الأقل تضرراً من الناحية الإنشائية واللوجستية جراء الحرب الإسرائيلية التي عصفت بالقطاع على مدار العامين الماضيين.

وأكدت مصادر من لجنة الانتخابات المركزية استكمال كافة الترتيبات الفنية والإدارية لضمان سير يوم الاقتراع بسلاسة، حيث فتحت المراكز أبوابها في تمام الساعة السابعة صباحاً. ومن المقرر أن تستمر عملية التصويت حتى الساعة السابعة مساءً، لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من المواطنين للإدلاء بأصواتهم في مراكز الاقتراع المنتشرة في مختلف المحافظات.

 

وتعتمد آلية التصويت الحالية على الحضور الشخصي للناخب وإبراز الهوية الفلسطينية الرسمية كشرط أساسي للمشاركة، مع اتباع نظام القوائم في المجالس البلدية. كما وضعت اللجنة ضوابط صارمة لضمان سرية ونزاهة العملية، شملت منع إدخال الهواتف المحمولة إلى غرف الاقتراع، وتوفير تسهيلات خاصة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة عبر مرافقين معتمدين.

وفي خطوة تنظيمية، أعلنت اللجنة أنها ستصدر تقارير دورية كل ثلاث ساعات للكشف عن نسب المشاركة في مختلف الدوائر الانتخابية، لابقاء الجمهور على اطلاع بمسار العملية. ومن المنتظر أن يتم عقد مؤتمر صحفي موسع في اليوم التالي للاقتراع لإعلان النتائج الرسمية الأولية وتوزيع المقاعد على القوائم الفائزة.

وتُجرى هذه الانتخابات بموجب قانون انتخابي جديد تم إقراره في نوفمبر 2025، والذي أحدث تغييراً جوهرياً في بنية النظام الانتخابي الفلسطيني. حيث يعتمد القانون نظام التمثيل النسبي عبر 'القائمة المفتوحة' للمجالس البلدية، بينما أبقى على نظام الأغلبية أو 'الترشح الفردي' للمجالس القروية الصغيرة، سعياً لتعزيز التعددية.

ويطبق في هذه الدورة نظام 'سانت لوجي' الرياضي لتوزيع المقاعد، وهو نظام يهدف إلى تحقيق عدالة أكبر في تمثيل القوائم الصغيرة وتقليل الفجوة بين عدد الأصوات والمقاعد المحصلة. كما يشترط القانون تجاوز القائمة لنسبة حسم تبلغ 5% كحد أدنى للدخول في حسابات توزيع المقاعد، مع ضمان كوتا خاصة لتمثيل النساء والتوازن الديني.

تُجرى الانتخابات في دير البلح لكونها من أقل المدن تضرراً نسبياً في قطاع غزة بعد حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت على مدار عامين.

وتشير البيانات الإحصائية إلى أن التنافس يتركز في 90 مجلساً بلدياً، حيث تتسابق 321 قائمة انتخابية تضم في صفوفها نحو 3773 مرشحاً، من بينهم 1200 امرأة. واللافت في هذه الانتخابات هو الهيمنة الواضحة للقوائم المستقلة التي شكلت 88% من إجمالي القوائم المتنافسة، مقابل حضور حزبي محدود لم يتجاوز 12%.

أما على صعيد المجالس القروية، فتجري الانتخابات في 93 مجلساً يتنافس فيها 1358 مرشحاً، مع تسجيل حضور نسائي لافت برئاسة ثماني نساء لقوائم انتخابية. وفي المقابل، أعلنت اللجنة حسم تشكيل 197 هيئة محلية بالتزكية بعد عدم ترشح أكثر من قائمة واحدة، وهو ما يعكس تبايناً في حدة المنافسة السياسية بين التجمعات السكانية المختلفة.

ولإدارة هذا اليوم الطويل، جهزت لجنة الانتخابات 491 مركز اقتراع، خصصت منها 12 مركزاً لخدمة الناخبين في مدينة دير البلح بقطاع غزة. ويشرف على العملية الانتخابية طاقم ضخم يضم أكثر من 10 آلاف موظف، يعملون على تنظيم الطوابير وتدقيق الهويات وضمان تطبيق البروتوكولات القانونية المعتمدة.

وتحظى العملية الانتخابية برقابة واسعة، حيث تم اعتماد 2539 مراقباً يمثلون 69 هيئة رقابية محلية ودولية، بالإضافة إلى عشرات الدبلوماسيين والضيوف الأجانب. كما يتواجد في الميدان أكثر من 800 صحفي يمثلون 120 وسيلة إعلامية محلية ودولية لتغطية هذا الحدث الذي يُنظر إليه كاختبار لمدى إمكانية استعادة المسار الديمقراطي.

وكانت الحكومة الفلسطينية قد قررت في وقت سابق قصر إجراء الانتخابات في قطاع غزة على دير البلح فقط، مع تأجيلها في بقية المناطق إلى حين توفر الظروف الملائمة. ويأتي هذا القرار بعد سلسلة من التأجيلات التي شهدتها السنوات الماضية نتيجة تداعيات الانقسام السياسي والجغرافي المستمر منذ عام 2007 بين الضفة والقطاع.

ورغم الجهود المتكررة لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية، لا تزال الساحة الفلسطينية تعيش حالة من التجاذب السياسي بين القوى الكبرى. وتعتبر هذه الانتخابات المحلية، رغم طابعها الخدماتي، مؤشراً مهماً على توجهات الشارع الفلسطيني في ظل غياب الانتخابات التشريعية والرئاسية العامة لسنوات طويلة.

ويأمل المراقبون أن تشكل هذه الخطوة لبنة أولى نحو إجراء انتخابات شاملة في كافة الأراضي الفلسطينية، بما يساهم في تجديد شرعية المؤسسات المحلية. ومع إغلاق الصناديق مساء اليوم، ستبدأ لجان الفرز عملها فوراً داخل المحطات، تمهيداً لنقل النتائج إلى المركز الرئيسي للجنة الانتخابات في مدينة رام الله.

disqus comments here