الدكتور ” سمير مصطفي ابومدلله” في وداع المناضل الوطني والسفير دياب اللوح (أبو النمر)… سيرة وطن وإنسان
برحيل المناضل الوطني والسفير دياب اللوح (أبو النمر)، تفقد فلسطين واحدًا من رجالاتها الأوفياء الذين جمعوا بين صلابة المناضل، وحكمة الدبلوماسي، ورقي الإنسان. فقد أفنى حياته مدافعًا عن قضية شعبه، مؤمنًا بعدالة نضاله، وحاملًا رسالة فلسطين في ميادين الكفاح الوطني والمحافل العربية والدولية، حتى استحق احترام كل من عرفه أو عمل معه.
وُلد الفقيد في قطاع غزة عام 1958، وانخرط منذ سنوات شبابه الأولى في صفوف الثورة الفلسطينية المعاصرة وحركة فتح، وأسهم في تشكيل خلاياها التنظيمية داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، قبل أن تعتقله سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتحكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا، قضاها بصبر وثبات وإيمان راسخ بعدالة القضية الفلسطينية. وعقب تحرره، واصل مسيرته النضالية بعزيمة لا تلين، واضعًا خبرته وعطاءه في خدمة وطنه وشعبه.
وتقلد الفقيد العديد من المسؤوليات الوطنية والدبلوماسية، فمثّل دولة فلسطين سفيرًا لدى الهند، واليمن، والصين، وموريتانيا، ثم جمهورية مصر العربية، كما شغل منصب مندوب دولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية. وفي كل محطة من محطات عمله، كان خير ممثل لفلسطين، مدافعًا عن حقوق شعبها، وحاملًا لروايتها الوطنية بكل كفاءة واقتدار.
وعلى الصعيد التنظيمي، كان عضوًا في المجلسين الاستشاري والثوري لحركة فتح، وتولى منصب نائب مفوض عام التعبئة الفكرية والعلاقات الدولية، وأسهم بفكره وخبرته في تعزيز العمل الوطني والتنظيمي، جامعًا بين الرؤية السياسية والالتزام الوطني.
وإلى جانب دوره السياسي والدبلوماسي، كان الفقيد باحثًا ومثقفًا آمن بأن الفكر والمعرفة ركيزتان من ركائز النضال الوطني. وترك عددًا من المؤلفات والدراسات، من أبرزها: أوراق متناثرة، وآفاق سياسية، ودراسة تأثير الصحافة على صناعة القرار السياسي، وكتاب العلاقات الفلسطينية–الصينية، إلى جانب سلسلة من الدراسات حول القضايا الصينية والعلاقات الدولية، بما يعكس اهتمامه العميق بالفكر السياسي والدبلوماسية.
غير أن المناصب والإنجازات لم تكن وحدها ما يميز أبا النمر؛ فقد كان، قبل كل شيء، إنسانًا دمث الأخلاق، هادئ الطبع، متواضعًا في تعامله، كريم النفس، واسع الصدر، يحظى باحترام كل من عرفه. لم يكن يعرف التعصب أو الإقصاء، بل كان وحدويًا بطبعه، مؤمنًا بأن قوة الشعب الفلسطيني تكمن في وحدته وتماسكه، فحرص على بناء جسور الثقة والحوار بين مختلف القوى الوطنية الفلسطينية.
وقد ربطته علاقات احترام وتقدير متبادلة مع مختلف القوى والفصائل الوطنية، وفي مقدمتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، حيث كان محل تقدير ومحبة لدى قياداتها وكوادرها، لما عُرف عنه من نزاهة، وصدق، وحكمة، وإخلاص للقضية الوطنية.
أما بالنسبة لي، فقد ربطتني بالراحل علاقة خاصة، عرفته خلالها أخًا وصديقًا صادقًا، وإنسانًا نادرًا في تواضعه ووفائه ودماثة أخلاقه. كان حاضرًا بالمحبة، صادقًا في النصح، مخلصًا في الموقف، لا يتردد في تقديم العون لكل من يقصده، وكان حديثه يجمع بين الحكمة والهدوء، وبين عمق التجربة والإيمان الراسخ بفلسطين ومستقبلها.
لقد رحل أبو النمر عن دنيانا، لكن الرجال من طينته لا يغيبون؛ لأن ما يتركونه من أثر طيب ومواقف نبيلة يبقى حيًا في ذاكرة الأوطان ووجدان الأجيال.
وبهذه المناسبة الأليمة، أتقدم بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أسرته الكريمة، وإلى أبنائه وبناته، وإلى جميع أفراد عائلته، وإلى رفاق دربه ومحبيه، وإلى أسرة السلك الدبلوماسي الفلسطيني، وإلى إخوانه في حركة فتح، وإلى أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات، سائلًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم الجميع جميل الصبر والسلوان.
رحمك الله يا صديقي العزيز دياب أبو النمر… عشت وفيًا لفلسطين، ورحلت تاركًا سيرةً عطرةً ستظل ترويها المواقف قبل الكلمات، وسيبقى اسمك حاضرًا في ذاكرة كل من عرفك، وفي سجل المناضلين الشرفاء الذين وهبوا أعمارهم لوطنهم دون انتظار جزاء أو شكر.
قال الإمام الشافعي:
قد مات قومٌ وما ماتت مكارمُهم
وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ.
رحم الله أبا النمر، وجزاه عن فلسطين وشعبها خير الجزاء.