خمسون عاماً… وما زالت المرأة تعرف طريقها إلى تل الزعتر.

ثمة أماكن لا تنتهي بانتهاء الحكاية، ولا تطوى بقرار سياسي أو بمرور السنين؛ تبقى معلقة في ذاكرة امرأة خرجت من بيتها في ذلك الصيف اللاهب وهي لا تدري أنها تسقط خلفها مفتاح الدار للأبد. تبقى في يد أمّ كانت ترمم الخوف بالدعاء وهي تبحث عن طفلها بين الركام، وفي صوت فتاة خرجت وفي حقيبتها الصغيرة صورة ملونة لأيام سابقة، ومفتاح صقيل، واسم حيّ صار وسماً على القلب.
 
وفي قلب هذه الذاكرة تماماً، تقف أمي… "أم أحمد". تلك الفتاة التي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها حين عاش تل الزعتر حصاره وقصفه ومأساته. طفلة صغيرة وجدت نفسها فجأة شاهدة على زمن لم تكن تدرك أنه سيسكنها حتّى تبلغ الرابعة والستين؛ شاهدة على أنين الجرحى، وصوت الرصاص، وقصف الطائرات، وهدير الدبابات، وشاهدة أولى على حجم الظلم الذي لحق بالفلسطينيين وما تعرضوا له من قتل وتهجير وحصار.
 
لهذه الأم، لـ "أم أحمد"، أهدي سلامي ومحبتي في ذكرى مجزرة تل الزعتر. أمي التي لم تقرأ التاريخ من الكتب، بل كانت واحدة من صانعات شهادته الحية، حملت في ذاكرتها الطرية شيئاً من وجع شعب كامل، وظلت تطوق تل الزعتر في قلبها حتى اليوم.
 
وفي هذا الامتداد الطويل لذاكرة المرأة الفلسطينية، لا يمكن للحكاية أن تكتمل دون أن تتشابك سيرة أمي مع سير مناضلات نذرن أرواحهن للقضية، كالمناضلة الكبيرة خالدات الحسين وغيرها من الرفيقات والنساء اللواتي لم يكن حضورهن يوماً هامشياً في مسيرة النضال، بل كنّ في صلبه؛ يقُدن نضال البقاء، ويحرسن الهوية بالكلمة والموقف والميدان، وتربية الأجيال على ألا تسقط الراية. فالمرأة الفلسطينية، سواء كانت أمّاً تضمد الجراح في المخيم أو مناضلة تنظم العمل الشعبي والسياسي، كانت دوماً تحمل فلسطين في قلبها وتدافع عن حقها بصلابة لا تلين.
لم يكن تل الزعتر مجرد اسم في سجلات الضحايا، ولا صفحة مطوية في كتاب التاريخ؛ كان حياة تعجّ بالتفاصيل: بيوتاً متلاصقة يفوح منها براد الشاي بالنعناع، أمهات يتبادلن الأحاديث على العتبات، أطفالاً يركضون في الأزقة، ونساءً ينسجن الروتين اليومي بخيط صلب من المعرفة الضمنية بأن الحياة في المخيم مؤقتة، وأن الفلسطيني قد يجد نفسه يعيد ترتيب الشتات في أية لحظة.
وحين حلّ الحصار، لم تكن المرأة مجرد شاهدة على الحافة، بل كانت في قلب المعركة؛ تطبخ من القليل جداً طعاماً يمنح الصغار وهم الأمان، تُخبئ رجفتها تحت شالها كي لا يراها أطفالها، وعندما تسدّ المنافذ، تبتكر ألف طريقة وطريقة للبقاء.
من تل الزعتر، لم تخرج النساء خافضات الرؤوس، بل حملن الحكاية وقسمنها في أمتعتهن القليلة. انتقلت الرواية معهن إلى المخيمات الجديدة؛ من عين الحلوة ونهر البارد إلى أزقة الشام وعمان، وإلى كل أفق حمل إليه الفلسطيني خيمته وذكرياته. كبرت البنات الصغيرات وصارن أمهات، ولأنهن لم يرين تل الزعتر أو القرى الأولى، قامت الأم بدور الدليل: حكت لهن عن بيت لم يدخلنه، وعن شارع لم يمشين فيه، وعن تفاصيل مخيم حُيي بالحب قبل أن يُباد بالحديد. وهكذا بقيت فلسطين حاضرة؛ لا في الخرائط فقط، بل في المطبخ، وفي حكايات قبل النوم، وفي ترتيب البيوت التي بُنيت على أمل الرحيل القريب.
وفي الضفة الغربية، كانت هناك امرأة أخرى تشتبك مع الحكاية نفسها. في أيام الانتفاضات الشديدة، لم تنتظر النساء من يكتب أسماءهن في كتب التاريخ، بل كنّ يكتبنه بالأقدام التي تخوض المظاهرات، وبالأيدي التي تضمخ جراح المصابين، وبالقلوب التي تحمل عبء الاعتقال وغياب السند. كنّ يعشن التاريخ ويصنعنه ببساطة ودون صخب.
واليوم في غزة، تعود المشاهد لتتقاطع في لوحة واحدة صلبة، كأن الزمن يستعيد ملامحه الأولى: امرأة تحتضن طفلها وتبحث بين الخراب عن زاوية آمنة، أمّ تنازل العدم لتقدم لوجبتهم الليلة أي شيء يرمق الرمق، وامرأة تفقد بيتها للمرة الثانية أو الثالثة، لكنها تقف فوق الركام لتعلن جهاراً: «هذا بيتي، وهذه أرضي، وهؤلاء أطفالي الذين سيكبرون ليحملوا الاسم.»
تتغير المسميات، وتتبدل أسماء الحروب وتواريخها، لكن الجوهر الذي تحمله المرأة الفلسطينية يظل ثابتاً: خوفها الأصيل على أطفالها، ذاكرتها المتفقدة لكل التفاصيل، وإصرارها المدهش على استمرار الحياة وسط الاستحالة.
وحتى هناك، في المنفى البعيد والشتات الأوروبي أو الأمريكي، تجد امرأة لم تطأ قدمها مخيماً قط، ولم ترَ بيت جدتها القديم، لكنها تعرف اسم القرية عن ظهر قلب، تعرف من أين ينحدر دمها، وتدرك أن المفتاح الحديدي الذي تحتفظ به والدتها في صندوق خشبي صامت ليس مجرد قطعة معدن صدئة، وأن الصور المتلاشية الألوان ليست مجرد ذكريات للزينة؛ إنها وثيقة المواطنة الحقيقية.
ولهذا تحديدا، لم يغب تل الزعتر يوماً. لم يبقَ في مكانه الجغرافي الذي هُدم، بل رحل وتكثف في ذاكرة النساء؛ من أم إلى ابنتها، ومن جدة إلى حفيدتها، ومن مخيم إلى آخر، من لبنان إلى الضفة، ومن الضفة إلى غزة، ومن غزة إلى كل مغترب يحمل فلسطين في لغته وملامحه.
خمسون عاماً… وما زالت المرأة تعرف الطريق.
ليس حباً في البكاء على الماضي، بل إدراكاً منها بأن الذاكرة التي لا نحرسها بالقصة والحفاوة تُسرق منا، تماماً كما سُرقت البيوت والبيارات. تل الزعتر بالنسبة لنا ليس مجرد مرثية لمجزرة وحصار وتهجير، بل هو السؤال الكبير عن طاقة هذه المرأة الفلسطينية: كيف استطاعت بعد كل هذا الفقد والخراب أن تواصل العيش؟ أن تربي، وتتعلم، وتعمل، وتناضل، وتصون اسم المكان، ثم تجلس في المساء لتقول لابنتها بقلب ثابت: «نحن من هناك.. وسنظل من هناك.»
هذا هو شكل نضالنا الأكثر هدوءاً والأشد عمقاً: أن تولد فتاة في أقاصي الأرض فتطبخ الطعام بنفس النكهة، وتتحدث اللغة بنفس النبرة، وتحمل فلسطين في تفاصيل يومها؛ أن تصر امرأة تحت الاحتلال على إكمال تعليمها وتربية عائلتها تحت عين البندقية؛ وأن تصر أم في غزة على أن تخلق لأطفالها طفولة ما، ولو من بين أنقاض البيت.
حين نستعيد تل الزعتر بعد نصف قرن، لا نستعيد الموت ولا نقدس المأساة، بل نحتفي باللواتي بقين.. باللواتي حملن الأبناء على الأكتاف والذكريات في القلوب، وخرجن من المخيم دون أن يخرج المخيم منهن. نحتفي بأن فلسطين لم تحفظها الكتب الرسمية ولا الخطابات الرنانة، بل حفظتها امرأة تروي، وجدة تفتح صندوق ذكرياتها القديم لتخرج صورة أو مفتاحاً، وتبدأ الحكاية من جديد.
وفي هذه الحكاية تحديداً، أجد أمي…
أجد "أم أحمد"، تلك الفتاة التي عاشت في تل الزعتر حتى الرابعة عشرة من عمرها، وخرجت منه وهي تحمل في ذاكرتها الطرية ما يكفي من الألم لعمر كامل.
اليوم، وهي في الرابعة والستين، لم تعد تلك الطفولة موجودة بجسدها، لكن تل الزعتر لم يكبر وحده في الغياب؛ كبرت هي وبقيت أصوات المخيم حية في ذاكرتها. ما زال أنين الجرحى يصل إليها من بعيد، وما زال صفير الرصاص يحتفظ بمكانه الحاد، وقصف الطائرات وهدير الدبابات حاضراً في تلك المساحة العصية على النسيان والتي لا تستطيع السنوات الوصول إليها.
ربما لم تكن أمي يومها تعرف أن ما تراه وتسمعه سيصبح بعد عقود شهادة حية على زمن كامل، ولم تكن تدرك أنها ستكبر لتحمل في قلبها خريطة مخيم، وأن ابنتها ستكتب عنها وعن المكان الذي عاشته طفلة، لتصبح ذاكرتها الخاصة جزءاً أصيلاً من الذاكرة الجمعية لشعب بأكمله.
أمي… يا من عشتِ تل الزعتر ولم يغادركِ تل الزعتر يوماً:
لكِ سلامي ومحبتي.. لكِ ولنساء المخيم اللواتي حملن الخوف والبيوت والأطفال والمفاتيح والصور والحكايات، وخرجن من تحت النار وهنّ يضممن فلسطين إلى صدورهن.
خمسون عاماً على تل الزعتر… وما زلتِ تعرفين الطريق.
وأنا، ابنتكِ، أعرف الطريق لأنكِ أنارته لي ودللتِني عليه. دللتِني على فلسطين التي لم أرَها كما رأيتها أنتِ، وعلى المخيم الذي صار جزءاً من تكويني لأنكِ حملتِه في روحكِ، وعلى حكاية شعب لم يسمح للرصاص أن يغتال ذاكرته.
وبرغم كل المعارك وكل سنوات الخوف والتهجير، خرجت الأمهات والمناضلات والنساء اللواتي حملن فلسطين أمانة في أعناقهن، وكنّ دوماً خط الدفاع الأول عنها؛ حملن الأبناء، ربين الأجيال، حفظن الذاكرة، وصنّ الوطن من التبديد. وكانت أمي واحدة من هؤلاء النساء العظيمات؛ لم تعلمني فقط كيف أحبها كأم، بل علمتني كيف يكون حب الوطن، وكيف تصبح فلسطين جزءاً من الروح والبيت والذاكرة، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حياً، حتى لو لم يستطع أن يحمل ترابه.
خمسون عاماً على تل الزعتر… وما زالت المرأة تعرف الطريق؛ من تل الزعتر إلى فلسطين، ومن ذاكرة الأم إلى قلب الابنة، ومن جيل نجا من المجزرة إلى جيل يحمل الحكاية ويرفض أن تدفن.
وسيظل الطريق معروفا…
لأن بعض الطرق لا تحتاج إلى خريطة ولا إلى أجهزة ملاحة؛
يكفي تماماً أن تحفظها امرأة في قلبها، وتورثها لابنتها.
https://www.facebook.com/reel/4233870233529048
disqus comments here